التوبة إلى اللهُ

التوبة إلى اللهُ

التوبة إلى اللهُ

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونسْتَعِينُهُ ونَسْتَهْدِيهِ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلـهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ، خلَقَ العرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ ولم يَتَّخِذْهُ مَكانًا لِذَاتِهِ، جَلَّ ربي لا يُشْبِهُ شيئًا ولا يُشْبِهُهُ شىءٌ ولا يَحُلُّ في شىءٍ ولا يَنْحَلُّ منهُ شَىءٌ، ليسَ كَمِثْلِهِ شىءٌ وهوَ السَّميعُ البَصيرُ. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرَّةَ أعينِنَا محمّدًا عبدهُ ورسولهُ وصفيُّه وحبيبُه، طِبُّ القلوبِ ودواؤُهَا وعافِيَةُ الأبْدانِ وشِفَاؤُها، ونُورُ الأبصارِ وضِياؤُها صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى كلّ رسولٍ أَرْسَلَهُ.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنّي أوصيكُمْ ونَفْسي بتقوَى اللهِ العلِيّ القديرِ القائلِ في مُحْكَمِ كتابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *[سورة التحريم] .
اغفِرْ لنا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
اقْبَلْ مِنَّا صِيامَنَا يا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
اقْبَلْ مِنَّا قيامنا يا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
اقْبَلْ مِنَّا رُكوعَنَا يا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
اقْبَلْ مِنَّا سُجودَنَا يا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
ثَبّتنا على الطَّاعَةِ والتَّوْبَةِ يا ربَّنَا إنَّكَ على كلّ شىءٍ قديرٌ 
إخوةَ الإيمانِ، يقولُ ربُّنا تبارَكَ وتعالى في القرءانِ عنِ القُرءانِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ *[سورة ص].
إنْ هوَ إلا عِظَةٌ لِلْخَلْقِ، «إنْ هُوَ» أيْ ما القُرْءانُ إلا عِظَةٌ لِلْخَلْقِ، فَتَأَمَّلْ معي أخي المؤمنَ، أخي الصائِمَ معاني هذهِ الآياتِ العظيمةِ التي سَنَتْلوهَا مِنْ كتابِ اللهِ العزيزِ لِتَتَّعِظَ بالقُرْءانِ وأنْتَ تُوَدّعُ شهرَ القرءانِ، لِتَثْبُتَ على التَّوْبَةِ وأنتَ تُوَدّعُ شهرَ التَّوْبَةِ. «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ» ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ *ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ *[سورة عبس].
وجوهُ الصَّالِحينَ تكونُ يومَ القيامةِ مُشْرِقَةً مُضيئَةً قَدْ عَلِمَتْ ما لها مِنَ الخَيْرِ والنَّعيمِ، مَسْرورَةً فَرِحَةً بِما نالهَا مِنْ كَرامَةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ.
فاثْبُتْ أخي المؤْمِنَ الصَّائِمَ على التَّقْوَى والصَّلاحِ والتَّوبَةِ. والتَّوْبَةُ معنَاها الرُّجوعُ وهيَ في الغالِبِ تكونُ منْ ذَنْبٍ سَبَقَ لِلْخَلاصِ مِنَ المؤاخَذَةِ بِهِ في الآخِرَةِ، وهيَ واجِبَةٌ فوْرًا مِنَ المعْصِيَةِ الكبيرَةِ وكذلِكَ مِنَ المَعْصِيَةِ الصَّغيرَةِ، والتَّوْبَةُ هيَ النَّدَمُ أيِ التَّحَسُّرُ في القَلْبِ أَسَفًا على عَدَمِ رِعَايَةِ حقّ اللهِ عزَّ وجَلَّ، والإقْلاعُ عنِ الذَّنْبِ في الحالِ، أيْ تَرْكُ هذهِ المَعْصِيَةِ في الحالِ، والعَزْمُ على ألا يعودَ إليْها أيِ التَّصْميمُ المُؤَكَّدُ ألا يعودَ إلى هذِهِ المَعْصِيَةِ. وإنْ كانَ الذَّنْبُ تَركَ فَرْضٍ قَضَاهُ كَمَنْ تَرَكَ صِيامَ يَوْم مِنْ رَمَضَانَ بِلا عُذْرٍ شَرْعِيٍ يَقْضِيهِ بعدَ يومِ العيدِ مباشَرَةً، فإنْ كانَ الذَّنْبُ تَركَ فَرْضٍ قَضاهُ، أو تَبِعَةً لآدَمِيّ قَضاهُ أوِ اسْتَرْضاهُ، فقَدْ رَوَى البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ مَرْفوعًا: «مَنْ كانَ لأخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ في عِرْضٍ أوْ مالٍ فَلْيَستحلَّهُ اليومَ قَبْلَ أنْ لا يَكونَ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ».
فمَنْ كانَ لأخيهِ المُسْلِمِ عندَهُ مَظْلَمَةٌ في عِرْضٍ أو مالٍ كأنْ سبَّهُ أو أكَلَ لهُ مالَهُ بِغَيْرِ حَقّ فَلْيُبَرّئ ذِمَّتَهُ اليومَ قبلَ يومِ القيامَةِ لأنَّهُ إنْ لمْ يُبَرّىءْ ذِمَّتَهُ في الدُّنْيا قبلَ الآخِرَةِ لا تَرُدُّ عنهُ الدّراهِمُ ولا الدَّنانِيرُ شيئًا، فإنْ ماتَ ولمْ يُبَرّئ ذِمَّتَهُ منْ هذِهِ المَظْلَمَةِ فإنْ كانَ لهُ حَسَنَاتٌ أَخَذَ لهُ صاحِبُ الحَقّ مِنْ حَسَناتِهِ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ فإنْ لمْ تَكْفِ حَسَناتُهُ لذلِكَ أُخِذَ مِنْ سَيّئاتِ المَظْلومِ فَحُمِلَتْ على الظَّالِمِ.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ *[سورة عبس] .
﴿وَصَاحِبَتِهِ*﴾ أي زَوْجَتِهِ. ﴿وَبَنِيهِ *﴾ أيْ أَبْنائِهِ.
فإنْ كانَ ظَلَمَ يَفِرُّ منهُمْ يومَ القِيَامَةِ لأنَّهُ يَعْرِفُ أنَّ ذلِكَ اليومَ يومُ عقابٍ وقَصاصٍ لكنْ أيْنَ المَفَرُّ؟!!
يُرْوَى أنَّ أحدَ العلماءِ المحدّثينَ واسْمُهُ الفضيلُ بنُ عِياضٍ كانَ لهُ تِلميذٌ وكانَ هذا التّلْميذُ يحتَضِرُ على فِرَاشِ الموتِ فَوَقَفَ الفضيلُ عندَهُ وصارَ يُلَقّنُهُ الشَّهادَتَيْنِ عندَ الاحْتِضارِ فلا يَسْتَطيعُ هذا التّلميذُ أنْ يَنْطِقَ بِها، حتى قالَ هذا التّلميذُ «إني بَرِيءٌ مِنْها» وماتَ على الكُفْرِ والعِياذُ باللهِ. خاف الفضيلُ بنُ عياضٍ وصارَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، ثمَّ رأَى هذا التّلميذَ في المنامِ وإذا بهِ يُجَرُّ إلى جَهَنَّمَ فقالَ لهُ الفضيلُ: وَيْلَكَ ماذا فَعَلْتَ؟ قالَ له: كنتُ أَسْتَغيبُ إخواني وكُنْتُ أَحْسُدُهُمْ فَوَصَلْتُ إلى هَذِهِ المَرْحَلَةِ ومِتُّ على الكُفْرِ.
فنسأل الله السلامةَ وحسنَ الختام. وليس المعنى أن الغيبة والحسد من أنواع الكفر إنما المعنى أن هذا الإنسان ساءت حالته فانقلب من الإيمان إلى الكفر ومات على الكفر.
اللهمَّ لا تَجْعَلْ مُصيبتَنَا في دينِنَا وثَبتْنَا على الإسْلامِ.
هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولَكُمْ.
الحمدُ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيّئاتِ أعْمَالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِي لهُ، والصَّلاةُ والسلامُ على سَيّدِنَا محمد بنِ عبدِ اللهِ وعلى ءالهِ وصَحْبِهِ ومَنْ والاهُ.
أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنّي أوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوى اللهِ العلِيّ العَظيمِ القائِلِ في مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *[سورة التوبة] .
مَنْ أرادَ أنْ يُؤَدّيَ هذه الفريضةَ العظيمةَ كمَا أَمَرَ اللهُ، كما جاءَ في كتابِ اللهِ، فلا يَجوزُ دَفْعُ الزَّكاةِ إلا إلى الأَصْنافِ الثَّمانِيَةِ الذينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ في القرءانِ الكريمِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ بِنَفْسِهِ الفَقْرَ وهُوَ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ ليسَ فقيرًا أو مسكينًا، فلذلِكَ نَحُثُّكُمْ ونُذَكّرُكُمْ ونَنْصَحُكُمْ بالالْتِزَامِ التَّامّ بِطاعَةِ اللهِ سواءٌ في الصلاةِ أو الصيامِ أو الزكاةِ، وهذا يَحتاجُ إلى علمِ الدّينِ لأداءِ هذِهِ العباداتِ كمَا أَمَرَ اللهُ.ومن أراد إخراج مال فليدفعها إلى من يستحقها أو يوكل من يدفع بأمانة إلى من يستحقها، فمالُ الزَّكاةِ لا يُتَصَرَّفُ بِهِ على خِلافِ ما ذُكِر في القرءانِ الكريمِ.
ونُذَكّرُكُمْ بزكاةِ الفِطْرِ وهيَ في وقْتِنَا الحالي في لبنان تبلغ ثلاثة ءالاف ليرة لبنانية وما زاد مِنها فَصَدَقةٌ، ويجوز دفع زكاة الفطر في أوائِلِ هذا الشَّهْرِ الفَضِيلِ شهرِ رمضانَ المباركِ. واللهَ نَسْأَلُ التَّوْفيقَ على فِعْلِ الطَّاعاتِ والخَيْراتِ.
واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ، أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *. اللّهُمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيم، وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ *يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ *. اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا، فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا، اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ، ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ، اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ، اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنَا شَرَّ ما نتخوَّفُ.

عبادَ اللهِ، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدْلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ، واشكُروهُ يزِدْكُمْ واستغفروه يغفِرْ لكُمْ، واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا. وَأَقِمِ الصلاةَ

إثبات تنزيه الله عن المكان والحدّ بطريق النقل عن السلف

إثبات تنزيه الله عن المكان والحدّ بطريق النقل عن السلف

إثبات تنزيه الله عن المكان والحدّ بطريق النقل عن السلف

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الإمام أبو حنيفة في «الفقه الأكبر»1 : «والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [سورة الإخلاص] لا يشبه شيئًا من خلقه ولا يشبهه شىءٌ من خلقه»، ثم قال 2: «وهو شىءٌ لا كالأشياء. ومعنى الشىء3 إثباته بلا جسم ولا عَرَض ولا حد له ولا ضد له ولا نِد له ولا مِثل له»، وقال أيضًا4 : «لم يزل ولا يزال بأسمائه، لم يحدث له اسم ولا صفة» أي أن التغير والاختلاف في الأحوال يحدث في المخلوقين. «فمن قال إنها مخلوقة أو محدَثة أو توقَّفَ فيها أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى»5 . 
وقال في «الفقه الأكبر»6 : «وصفاته كلُّها في الأزل بخلاف صفات المخلوقين». وقال أيضًا في «الفقه الأكبر»7 : «ولا يقال إن يده قدرته أو نعمته»، «ولكنَّ يده صفته بلا كيف» أي من غير أن تكون جارحة. 
وقال في «الفقه الأبسط» 8: «ليست كأيدي خلقه ليست بجارحةٍ وهو خالق الأيدي ووجهه ليس كوجوه خلقه وهو خالق كل الوجوه». 
وقال في «الوصية»9 : «وهو حافظ العرش وغير العرش من غير احتياج، فلو كان محتاجًا لَمَا قَدرَ على إيجاد العالم وتدبيره وحفظه كالمخلوقين، ولو كان في مكان محتاجًا للجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله». 


وقال في «الفقه الأبسط»10 : «كان الله ولا مكان، كان قبل أن يخلق الخلق كان ولم يكن أينٌ ولا خلقٌ ولا شىء وهو خالق كل شىء» «فمن قال لا أعرف ربي أفي السماء أم في الأرض فهو كافر. كذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض». وإنما كفَّر الإمام قائل هاتين العبارتين لأنه جعل الله تعالى مختصًّا بجهة وحَيّز، وكل ما هو مختصٌّ بالجهة والحيز فإنه محتاجٌ مُحدَث بالضرورة أي بلا شكّ. وليس مراده كما زعم المشبهة إثبات أنَّ السماء والعرش مكان لله تعالى بدليل كلامه السابق الصريح في نفي الجهة عن الله وهو قوله: «ولو كان في مكان محتاجًا للجلوس والقرار فقبل خلق العرش أين كان الله». وأشار رضي الله عنه إلى إكفار من أطلق التشبيه والتَّحيُّز على الله كما قاله البياضي11واختار الإمام الأشعري ذلك فقال في كتاب «النوادر»: «من اعتقد أن الله جسمٌ فهو غير عارف بربه وإنه كافر به». 
وكيف يُنسب إلى الإمام أبي حنيفة القول بإثبات المكان لله وقد قال في كتابه «الوصيّة» 12: «ولقاء الله تعالى لأهل الجنة حق بلا كيفية ولا تشبيه ولا جهة». وقال في الفقه الأكبر13 : «يراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة». 


وقال في «الفقه الأكبر»14 : «وليس قرب الله تعالى ولا بُعده من طريق المسافة وقصرها ولكن على معنى الكرامة والهوان. والمطيعُ قريب منه بلا كيف، والعاصي بعيد عنه بلا كيف، والقرب والبُعد والإقبال يقع على المناجي. وكذلك جواره تعالى في الجنة والوقوف بين يديه بلا كيف» اهـ. فبعد هذا البيان وضح أنَّ دعوى إثبات المكان لله تعالى أخذًا من كلام أبي حنيفة افتراءٌ عليه وتقويلٌ له ما لم يقل 15. قال البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»16نقلاً عن الحافظ المحدث الفقيه أبي سليمان الخطابي17 : والله تعالى لا يوصف بالحركة لأن الحركة والسكون يتعاقبان في محل واحد وإنما يجوز أن يوصف بالحركة من يجوز أن يوصف بالسكون وكلاهما من أعراض الحدث وأوصاف المخلوقين والله تبارك وتعالى مُتَعال عنهما ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ (11) [سورة الشورى] ». 
وقال نقلاً عن الأشعري18 : «إن الله تعالى لا مكان له» وذكر أن الحركة والسكون والاستقرار من صفات الأجسام، وقال 19 نقلاً عن الأشعري في قوله تعالى ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ (30) [سورة النحل] : «لم يُرد به إتيانًا من حيث النُّقلة». ونقل عنه أنه قال في حديث النزول20 : «إنه ليس حركة ولا نُقلة». وقال نقلاً عن أبي سليمان الخطابي رحمه الله21 : «لا يتوجه على صفاته - يعني الله - كيفية ولا على أفعاله». 
وقال البيهقي 22 في ءاية ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [سورة الفجر] : «والمجيء والنزول صفتان منفيتان عن الله تعالى من طريق الحركة والانتقال من حال إلى حال بل هما صفتان لله تعالى بلا تشبيه» اهـ. ونقل البيهقي23 بإسناده عن الأوزاعي ومالك وسفيان والليث بن سعد أنهم سُئلوا عن هذه الأحاديث فقالوا: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفية» ذكره في كتابه في المعتقد. 


فتبين أن مرادهم بقولهم بلا كيفية نفي الجلوس والاستقرار والحركة والأعضاء ونحو ذلك مما هو من صفات الأجسام أو الأعضاء. ولا يقصدون أنّ استواءه على العرش وإتيانَه له كيفية لا نعلمها نحن الله يعلمها بل المراد نفي الكيفيّة عنه ألبتة. 
وليعلم العاقل أن الجلوس كيفما كان افتراشًا أو تربعًا أو غيرهما فهو كيفية لأنه لا يخرج عن كونه من صفات الأجسام. وهكذا التحيز في المكان كيفية من كيفيات الأجسام، واللون والمماسة لجسم من الأجسام كيفية فهي منفيّةٌ عن الله. 
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله24 : «ثم القول بالكون على العرش - وهو موضع بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة - لا يَعدو من إحاطة ذلك به أو الاستواء به أو مجاوزته عنه وإحاطته به. فإن كان الأوّلَ فهو إذًا محدودٌ محاطٌ منقوصٌ عن الخلق إذ هو دونه» اهـ. 
قلنا: لو كان الله جالسًا على العرش إن كان مساويًا للعرش لا بد أن يكون مربعًا إن كان العرش مربعًا أو مثلثًا إن كان العرش مثلثًا أو مستديرًا إن كان العرش مستديرًا، وهذه صفات الحادث المخلوق كالشمس فإن شكلها الاستدارة فلا تستحق أن تكون إلـهًا بل تحتاج إلى من خلقها على هذا الشكل. ثم قال الإمام أبو منصور 25: «ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به من الأمكنة لجاز بما يحيط به من الأوقات فيصير متناهيًا بذاته مُقصّرًا عن خلقه. وإن كان على الوجه الثاني فلو زِيدَ على الخلق لا ينقص أيضًا وفيه ما في الأول. وإن كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مع ما يُذم ذا من فعل الملوك أن لا يفضل عنهم من المعامد شىء. وبعد فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض وبعضه يفضل عن ذلك. وذلك كلُّه وصف الخلائق والله يتعالى عن ذلك. 
وبعد فإنَّه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس أو القيامِ شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال إنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر فلا يجوزُ صرف تأويل الآية إليها مع ما فيها من ذكر العظمة والجلال إذ ذكر في قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ (3) [سورة يونس] فدلَّك على تعظيم العرش أيِّ شىء كان من نورٍ أو جوهرٍ لا يبلغه علم الخلق» اهـ. 

 

فائدة مهمة في تنزيه الله تعالى عن المكان والحد

قال بدر الدين بن جماعة ما نصه26 : «عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ينزل ربنا كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» الحديث ورواه أبو سعيد «إن الله يمهل حتى إذا كان ثلث الليل ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب يتوب» . 
اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: 
الأول النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقِل ومنتَقَل عنه ومنتَقَل إليه، وذلك على الله تعالى محال. 
الثاني لو كان النزول لذاته حقيقة لتجدَّدت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئًا فشيئًا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلاً ونهارًا من قوم إلى قوم وعوده إلى العرش في كلّ لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذو لُبّ وتحصيل. 
الثالث أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحَلْقَة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين. 
الرابع إن كان المراد بالنزول استماع الخلق إليه فذلك لم يحصل باتفاق وإن كان المراد به النداء من غير إسماع فلا فائدة فيه ويتعالى الله عن ذلك. 
إذا ثبت ذلك فقد ذهب جماعة من السلف إلى السكوت عن المراد بذلك النزول مع قطعهم بأن ما لا يليق بجلاله تعالى غير مراد وتنزيهه عن الحركة والانتقال. 
قال الأوزاعي وقد سئل عن ذلك فقال يفعل الله ما يشاء» اهـ. وحكى ابن فورك27 أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوَّله على حذف المفعول أي ينزل ملكًا، ويقوّيه حديث النسائي28 عن أبي هريرة وأبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديًا ينادي يقول: هل من داع فيستجاب له» الحديث. وصححه عبد الحقّ 29. 
وقال الإمام أبو القاسم الأنصاري النيسابوري شارح كتاب الإرشاد لإمام الحرمين 30 بعد كلام في الاستدلال على نفي التحيز في الجهة عن الله تعالى ما نصه: «ثم نقول سبيل التوصل إلى دَركِ المعلومات الأدلة دون الأوهام، ورُب أمر يتوصل العقل إلى ثبوته مع تقاعد الوهم عنه، وكيف يدرِك العقل موجودًا يحاذي العرش مع استحالة أن يكون مثل العرش في القدر أو دونه أو أكبر منه، وهذا حكمُ كلّ مختص بجهة. ثم نقول الجوهر الفرد31 لا يتصور في الوهم وهو معقول بالدليل، وكذلك الوقت الواحد والأزل والأبد، وكذلك الروح عند من يقول إنه جسم، ومن أراد تصوير الأرض والسماء مثلاً في نفسه فلا يتصور له إلا بعضها، وكذلك تصوير ما لا نهاية له من معلومات الله تعالى ومقدوراته، فإذا زالت الأوهام عن كثير من الموجودات فكيف يُطْلَبُ بها القديم سبحانه الذي لا تشبهه المخلوقات فهو سبحانه لا يُتصور في الوهم فإنه لا يُتصور إلا صورةٌ ولا يُتَقَدَّرُ إلا مُقَدَّرٌ قال الله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ (11) ومن لا مثل له لا يتمثل في الوهم، فمن عرفه عرفه بنعت جلاله بأدلة العقول وهي الأفعال الدالة عليه وعلى صفاته، وقد قيل في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) إليه انتهى فكر من تفكَّر هذا قول أبيّ بن كعب وعبد الرحمـن بن أنْعُم، وروى أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم «لا فِكْرَةَ في الرب» وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا ذُكر الله تعالى فانتهوا» ، وقال «تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق» . 
فإن قيل كيف يعقل موجود قائم بالنفس ليس بداخلِ العالم ولا خارجٍ منه؟ 
قلنا: عرفتم استحالة ذلك ضرورة أم دلالة، وقد أوضحنا معنى مباينته بالنفس وهكذا الجواب عن قولهم خلق الله العالم في نفسه أم مباينًا عنه. قلنا - أي على زعمكم ـ: خلقه على مقدار نفسه أو أكبر منه أو أصغر أو فوق نفسه أو تحته. 
ثم نقول: حروف الظروف32 إنما تستعمل في الأجرام المحدودة 33 وكذلك الدخول والخروج من هذا القبيل وكذلك المماسة والمباينة وقد أجبنا عن المباينة. 
فإن قالوا: كيف يُرى بالأبصار من لا يتحيز ولا يقوم بالمتحيز. قلنا: الرؤية عندنا لا تقتضي جهة ولا مقابلة وإنما تقتضي تعيين المرئي وبهذا تتميز عن العلم فإن العلم يتعلق بالمعدوم وبالمعلوم على الجملة تقديرًا، وكذلك لا تقتضي اتصال شعاع بالمرئي فهي كالعلم أو في معناه. 
فإن قيل: ألستم تقولون الإدراك يقتضي نفس المدرَك. 
قلنا: لا يقتضي تعينه ولا تحديده. 
فإن قالوا: كيف يُدرك وجود الإلـه سبحانه. 
قلنا: لا كيفية للأزلي ولا حيث لهُ وكذلك لا كيفية لصفاته، ولا سبيل لنا اليوم إلى الإخبار عن كيفية إدراكه ولا إلى العلم بكيفية إدراكه، وكما أن الأكمه الذي لا يُبصر الألوان إذا سئل عن الميْز بين السواد والبياض والإخبار عن كيفيتهما فلا جواب له، كذلك نعلم أن من لا جهة له لا يشار إليه بالجهة. فإن قالوا: من أبصر شيئًا يمكنه التمييز بين رؤيته لنفسه وبين رؤيته ما يراه، فإذا رأيتم الإلـه سبحانه كيف تميزون بين المرئيين، قلنا: من لا جهة له لا يشار إليه بالجهة ومن لا مثل له لا إيضاح له بالمثال، ومن لا أَشْكَالَ له فلا إشْكَال فيه. 
ثم نقول لهم: أنتم إذا رأيتم الإلـه كيف تميّزون بينه وبين العرش وهو دونه سبحانه بالرؤية، أتميّزون بينهما بالشكل والصورة أم باللون والهيئة، ومن أصلكم أن المرئي شرطُه أن يكون في مقابلة الرائي، وكيف يَرى القديم سبحانه نفسَه، وكيف يَرى الكائنات مع استتار بعضها ببعض فلا يَرى على هذا الأصل بطون الأشياء، وهذا خلاف ما عليه المسلمون، وإذا كان العرش دونه فلا يَحجبه عنَّا حالةَ الرؤية 34، قال الأستاذ أبو إسحـق: من رأى الله تعالى فلا يَرى معه غيرَه - أي في حال رؤيته للحق - فاندفع السؤال على هذا الجواب اهـ.

--------------------------------------

1 ) شرح ملا علي القاري (ص/30 - 32).

2 ) شرح ملا علي القاري (ص/65).

3 ) الشىء له إطلاقان: الأول الموجود وهو المراد بقولهم الله شىء لا كالأشياء والثاني ما تعلقت به مشيئة الله أي ما خُلِقَ وحدث بمشيئة الله. وبمعنى الأول قوله تعالى {قُلْ أَيُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً (19)} وبمعنى الثاني قوله {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ (284)}.

) شرح ملا علي القاري (ص/44 - 45).

5 ) شرح ملا علي القاري (ص/47).

6 ) شرح ملا علي القاري (ص/57).

7 ) شرح ملا علي القاري (67).

8 ) إشارات المرام (ص/93).

9 ) إشارات المرام (ص/195 - 196).

10 ) إشارات المرام (ص/197، 200).

11 ) إشارات المرام (ص/200).

12 ) شرح الفقه الأكبر (ص/138).

13 ) شرح الفقه الأكبر (ص/137).

14 ) شرح الفقه الأكبر (ص/176 - 178).

15 ) قال صباح التوحيد ومصباح التفريد علي بن أبي طالب: «كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان» رواه شهاب الدين الرملي، وقال: «إن الله تعالى خلق العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته» رواه أبو منصور التميمي في كتاب الفرق بين الفرق (ص/333). وقال الشافعي: «من انتهض لمعرفة مدبّره فانتهى إلى موجود ينتهي إليه فكره فهو مشبّه، وإن اطمأنّ إلى العدم الصّرْف فهو معطّل وإن اطمأن إلى موجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد». قال الزركشي (4/80 و82): وهذا معنى قول الصديق رضي الله عنه: «العجز عن درك الإدراك إدراك» وحكي عنه أنه قال: «سبحان من لم يجعل للخلقِ سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته» أي لا يُعرف معرفة إحاطة. اهـ

16 ) الأسماء والصفات (ص/454 - 455).

17 ) معالم السنن (4/305).

18 ) الأسماء والصفات (ص/448).

19 ) الأسماء والصفات (ص/449).

20 ) الأسماء والصفات (ص/449).

21 ) الأسماء والصفات (ص/453 - 454).

22 ) الأسماء والصفات (ص/456).

23 ) الاعتقاد (ص/44).

24 ) التوحيد (ص/70).

25 ) التوحيد (ص/70).

26 ) إيضاح الدليل (ص/165).

27 ) مشكل الحديث (ص/205).

28 ) رواه النسائي في السنن الكبرى: كتاب عمل اليوم والليلة: باب ما يستحب من الاستغفار يوم الجمعة (6/124).

29 ) حكاه عنه المفسّر القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرءان (4/39).

30 ) شرح الإرشاد (ق/58 - 60)، مخطوط.

31 ) الجوهر الفرد هو الجزء الذي لا يتجزأ لتناهيه في القلة وسمي جوهرًا لأن الجسم يتركب من جوهرين فردين فأكثر.

32 ) هي حروف الجر التي تدل على الظرفية كفي وعلى.

33 ) أي على وجه الحقيقة أي للدلالة على الظرفية الحقيقية التي هي احتواء حيز للجسم أو جسم لجسم ءاخر ولكنها تستعمل أيضًا على وجه المجاز كقوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ(10)} [سورة إبراهيم]، أو يكون مراد المؤلف أن حروف الظروف لا تستعمل على معنى الظرفية في حق الله تعالى إنما تستعمل على هذا المعنى في حق الأجرام.

34 ) أي على زعمكم العرش دونه بالجهة فكيف لا يحجبه عنا؟!

 

أقم الصلاة طرفي النهار

أقم الصلاة طرفي النهار

أقم الصلاة طرفي النهار

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد فقد قال الله تعالى: ﴿أقِم الصلاةَ طرَفَيِ النّهارِ وَزُلفا منَ اللّيلِ إنَّ الحسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيئّات﴾ (سورة هود/114) في هذه الآية بيانُ افتراضِ اللهِ تعالى على نبيه خمسَ صلوات فقولُه تعالى: ﴿طرَفَي النّهار﴾ يعني الصبح وهو الطّرفُ الأوّلُ من النهار لأن النّهار مبدَؤه الفجر. والطرفُ الثاني من النهار ما بعد الزوال ففيه فرضان، والطرف الثاني من النهار ما بعد زوال الشمس وفيه الظهرُ والعصرُ.
وقولُه: ﴿وزُلَفاً من الليل﴾ أي ساعاتٍ من الليل يعني به صلاة المغرب والعشاء وبمعنى ذلك قولُه تعالى:﴿فسبحان اللهِ حين تُمسون وحين تُصْبحون ولهُ الحمدُ في السّمواتِ والأرض وعَشِيًا وحينَ تُظهرُون﴾ (سورة الروم ءاية 17 - 18] المعنى أن علينا صلاة المغرب وصلاة العشاء لأن كلتيهما تكونان في أول الليل وهو المساء. فالمغربُ في أولِه الحقيقي، لذلك كان وقتُها أقصَر الأوقات، لا يزيد في أغلب الدنيا مقدار وقتِها على ساعة وثُلُث، وفي بعض البلادِ يَكونُ أقلَ من ذلك ويتّصل بوقت المغرب وقتُ العشاء بلا فاصل ويمتدُ إلى الفجر الساطع.
أما قولُه تعالى: ﴿وحينَ تُصبِحون﴾ يعني به صلاةَ الصُبح لأن وقتَ الفجر هو أولُ الإصباح، وجاء شرحُ ذلك وتحديدُه في الأحاديث النبوية لأن حديث الرسول عليه الصلاة والسلام شرحٌ للقرءان، فقد رَوَينا بالإسناد المتّصل الصحيح في صحيح ابنِ حِبّان من حديثِ جابر ابن عبد الله الأنصَاري رضي الله عنهُما قال أتَى جبريلُ النبيَ صلى الله عليه وسلم حيَن زالت الشّمس فقال "قم فصَلِّ" فقام فصلى الظهر، ثم جاء حين صارَ ظِلُّ الشىءِ مثلَه فقال "قم فصل" فقام فصلّى العصر. ثم جاء حين غابت الشمس فقال "قم فصَلِّ" فقام فصلى المغرب، ثم جاء حين غاب الشّفق فقال "قم فصل" فقام فصلى العشاء. ثم جاء حين سَطَع الفجر فقال "قم فصل" فقام فصلى الصبحَ
ثم جاءه من الغد حين صار الظلُ مثلَه قال "يا محمد قم فصلِّ الظهر" فقام فصلّى الظهر، ثم جاءه حين صار الظلّ مثليه فقال "يا محمد قم فصل العصر" فقام فصلّى العصر، ثم جاءه حين غابتِ الشمس فقال"قم يا محمّد فصلّ المغرِبَ" وقتاً واحداً لم يَزُل، ثم جاءه حين مضَى ثُلُثُ اللّيل فقال "يا محمّد قم فَصلّ العشاء" فقام فصلى العشاء، ثم جاءه حين أسفَرَ الفجرُ جداً فقال: "يا محمد قم فصلّ الصّبحَ" فقامَ فصلى الصبحَ ثم قال "ما بين هذين وقتٌ كلّهُ".
فعلِمنا من هذه الأدلّةِ الشّرعيّة أنه يجب أداء كلِّ صلاةٍ في وقتها وأنه لا يجوز الاقتصار على ثلاثة أوقاتٍ بأن يُجْعل وقت الظهر والعصر وقت الظهر لكلتيهما ويُجعلَ للمغرب والعشاء وقت المغرِب لِكلتَيهما فإن ذلك مخالفةٌ لأمر الله، إلا أنّ الله تعالى رخّص في حالة العذر من سفر أو مرض أو غير ذلك أن يُجمع بين صلاتين في وقت إحداهما بأن يجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهُما تقديماً أو تاخيراً وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهُما تقديماً أو تأخيراً
ثم إنه يجب على كلّ مسلم بالغ عاقل معرفةُ الأوقات الخَمسة فإن تقديمَ الصّلاة عن وقتها حرام وكذلك تأخيرها عن وقتها حرام لكن من قدّمَها على وقتها كأنّه لم يفعل شيئاً.
ومن أخرّها عن وقتها فقد عصى الله لكنّه برئت ذمتُّه بالقضاءِ لأن ما بعد خروج الوقت تقع قضاء، فلذلك يجب وجُوباً مؤكَّداً معرفة وقت الظهر كما جاء في حديثِ رسول الله، وكذلك معرفةُ وقت العصر كذلك معرفة وقتِ المغرب ووقتِ العشاء ووقت الصبح. فمن لم يتعلم ذلك فلا يزال في معصيةٍ ولو كان يعتمدُ على أَذان المؤذّنين فيؤديها على حسَب أذانهم.
وكذلك الاعتمادُ على الرّزنَامات لا يكفي لأنه لا يصحّ لكلّ الدنيا رزنامة واحدة، كل ناحية تحتاج إلى رُزنامة خاصّة، تختلف مواقيت النواحي من حيث طلوع الشمس ومن حيث الظهر ومن حيث العصر ومن حيث وقت المغرب ومن حيث وقت العشاء ومن حيث وقت الصبح. الدنيا فيها اختلاف، لا يجوز للواحد أن يقول أنا عندي رزنامة فمتى ما حَكَم الوقت بمقتضى الرُّزنامة أقوم أصلي. لا يكفي لا يخلصه من المعصية. واجب على كل إنسان بالغ عاقل أن يعرف مواقيت الصلاة كما جاء عن رسول الله كما علمَه جبريل عليه السلام أولَ مرّةٍ بعدَ ليلةِ المعراج، في غدِ ليلةِ جاءَ جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال "يا محمّد قم فَصَلِّ الظهرَ" لَما مالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب، في تلك الساعة جاءه جبريل في غدِ ليلةِ المعراج، بالليل فُرضت عليه لكن أداؤها ما فُرض عليه تلك السّاعة ما صلى صبح تلك الليلة بل بدأ الصلوات الخمس من الظهر. ما جاءه إلا بوقت الظهر، جبريل عليه السلام بعدما فارقه ليلة المعراج ورجَع رسول الله إلى مكّة ما علّمه الأوقات إلا الظّهر، جاءه عندَ صلاة الظهر بعدما مالت الشمس
الشمس أولَ ما تُشرق من مشرِقها يكون الظل في جهة المغرب ثم كلما ارتفعت الشمس الظل يتقاصر، ثم لَما تأتي الشمس إلى وسط السماء ينتهي التقاصر، ثم بمجرد ما تميل الشمس إلى جهة المغرب دخل الظهر هذا معنى فصلى حين زالت الشمس.
لَما مَالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة المغرب تصلي الظهر، وكان جبريلُ إماماً له في هذا اليوم، وفي اليوم الثاني صلى به الصلوات الخمس إماماً. جبريل صلى بالنبي إماماً ثم جاءه حين صار ظلُ الشىء مثلَه
حين صار الظلُ مثلَه، هذا يحتاج إلى شرح حتى تفهموه لأن ذلك نهاية وقت الظهر أن يصير ظلُ الشىء مثله - مثلُ الشىء -. إذا عُمل هنا عامود، عندما تأتي الشمس إلى وسط السماء يبقى ظل في أغلب الأيام في أغلب الدنيا يبقى ظل بحذائه، الظل الذي يبقى يسمّى "ظلَ الزوال". هذا الظل الذي يبقى يُحفظ مقدارُه إن كان قدَمًا أو قدمين أو أكثر أو أقل يُحفظ ثم يَتحّوَل الظل، يميل. ثم هذا الظل الجديد الذي حصل لَما مالت الشمس لَما يطول ويصير مثل الشىء مثل العمود مثلاً، إذا فَرضنا هذا العامود عُشْر وحصل من الظل الزائد الجديد مثلُه الظهرُ انتهى، العصر صار مثله وزيادة ظل الاستواء، ظل الاستواء هو ذاك الظل. وأما هذا ظِلّ المثل للشاخص، يكون الظهر انتهى. في المرة الأولى صلى جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل ما مال الظل صلى بالرسول ثم اليوم الثاني صلى به حين قرُبَ أن يَصِل إلى النّهاية، صلى به جبريلُ إمامًا.
ثم جاءه حين غابت الشمس فقال له "يا محمد قم فصل المغرب" فقام فصلى المغرب، هذا في اليوم الأول، ثم جاءه حين غاب الشفق، الشفق هو الحمرة التي تظهر في مغرب الشمس في جهة المغرب توجد حُمرة هذه الحمرة حين تذهب انتهى وقت المغرب ودخل وقت العشاء. ولذلك علامة وهو ظهورُ النّجوم الصغيرة بكثرة، لَما تظهر النجوم الصّغيرة بكثرة في السماء يكون وقت العشاء دخل. علامَة أن الشفق قد غاب أن تلك الحمرة ذهبت، لَما نرى النجوم الصغيرة قد ظهرت بكثرة نعرف أن وقت العشاء دخل لأن الشفق قد غاب، لأنه لا يصير ظهور النجوم الصغيرة بكثرة إلا بعد غيبوبة الشفق.
ثم جاءه حين سطع الفجر والفجر هو بياضٌ يطلعُ معترضًا في أفُق السماء، بالعرض ليس بالطول هذا اسم الفجر. أوّل ما ظهر هذا الفجر جاء جبريل فقال له "يا محمد قم فصل الصبحَ" فقام فصلّى الصبحَ. أوّل ما ظهر الفجر الصادق جاء جبريل فقال له "يا محمد قم فصل الصبحَ" فقام فصلّى الصبحَ.
ثم جاءه من الغدِ حين صار الظّل مثلَه أي حين قرُب أن يكون الظل مثل الشىء، حين بقي للظل أن يكون مثله - مثل الشاخص - شىء قليل عندئذ جاءه فقال "يا محمد قم فصل الظهر". فصلى الظهر في هذا الوقت الذي كان الظل كاد أن يكون مثل الشىء وذلك ءاخر وقت الظهر، في اليوم الثاني صلى به الظهر ءاخر وقت الظهر، أما في اليوم الأول في أوله لَما قرُب لَما كاد ينتهي، في ءاخر الوقت صلى به الظهر، لأن نهاية الظهر أولُ العصر. وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الإيمانُ هو الأَصلُ في الأَعمالِ الصَّالحةِ

الإيمانُ هو الأَصلُ في الأَعمالِ الصَّالحةِ

الإيمانُ هو الأَصلُ في الأَعمالِ الصَّالحةِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ لَهُ النِّعمَةُ ولَه الفَضلُ ولَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ صَلواتُ اللهِ البرِّ الرَّحيمِ والملائِكَةِ المقرَّبينَ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ أَشرَفِ المرسَلينَ وعلى جميعِ إِخوانِهِ مِن النَّبيّينَ والمرسَلينَ وءالِ كُلٍّ والصَّالحينَ، وسُلامُ اللهِ عَلَيهِم أَجمعينَ:
أَمَّا بعدُ فقَد جاءَ في الحديثِ أَنَّ رَجلاً أَتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ إني كنت أفعل كذا وكذا قبل أن أسلم، فقال لَهُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ 
"أسلَمتَ على ما أسلَفتَ"رواهُ مُسلِمٌ، فهذا قال بعضهم للكافر الأصلي إذا أسلم يثابُ على ما كان فعله قبل إسلامه من نحو صلة الرحم وإغاثة الملهوف والصدقه لكن الاحتياط أن لا يعتقد هذا لأنه يخالف الحديث الآخر الصحيح"وأما الكافر فيطعم بحسناته فى الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له منها نصيب". ويفسر حديث: "أسلمت على ما أسلفت " أنك بعد إسلامك ما تعمله بنية صحيحة بعد إسلامك مما كنت تعودت عمله من الخير كصلة الرحم وإغاثة الملهوف والصدقة الآن بعد إسلامك تثاب عليه.
بَعضُ النَّاسِ وهُم كُفَّارٌ يُكرِمونَ الضَّيفَ ويُغيثونَ الملهوفينَ، هَؤلاءِ إن أَسلَموا يُكتَبُ لهم حسناتُهُم التي يَعملونها بعدَ إِسلامِهِم وأَعمالُ الخيرِ التي كانوا يَعملونها وهُم على الكُفرِ كالصَّدَقة وقِرى الضَّيفِ وإِغاثَةِ الملهوفِ والإِحسانِ إلى الأرامِلِ، أَمّا إِن لم يُسلِم فَمَهما كانَ يَرحَمُ المساكينَ ويُغيثُ الملهوفينَ ويَعطِفُ على الأَيتامِ فَلَيسَ لَهُ شىءٌ، فَمَن قالَ إِنَّ لَهُ ثوابًا يَكفُرُ لأَنَّهُ كَذَّبَ القُرءانَ.
رَجُلٌ كانَ يُقالُ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ جُدعانَ مِن عَشيرةِ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كانَ يَقري الضَّيفَ ويُغيثُ الملهوفينَ ويَصِلُ الرَّحِمَ، حتّى إِنَّهُ كانَ يَعمَلُ الطَّعامَ ويَضَعُهُ أَمامَ بيتِهِ على الشّارِعِ حتّى يأكُلَ مِنهُ المسافرونَ مِن دونِ أَن ينزِلوا، الرّاكِبُ مِن دونِ أَن ينزِلَ يأكُلُ ويمضي، جَعَلَ الطَّعامَ على جِفانٍ عاليةٍ.
عائِشةُ رَضِيَ اللهُ عَنها سَأَلَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَت: يا رَسولَ اللهِ إنَّ ابنَ عمّي(قالَت ابنَ عمّي،لأَنَّهُ مِن عَشيرَتِها) عَبدَ اللهِ بنَ جُدعانَ كانَ يَقري الضَّيفَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَفعَلُ ويَفعَلُ، فَهل يَنفَعُهُ ذلِكَ، قالَ: لا، إِنَّهُ لم يَقُل يَومًا: رَبِّ اغفِر لي خَطيئَتي يومَ الدّين، مَعناهُ ما كانَ يُؤمِنُ بِالآخِرَةِ، كانَ يَعبُدُ الوَثَنَ.
عَرَبُ الجاهِلِيَّةِ كانوا يَقولونَ: الإنسانُ مَتى ما ماتَ وصارَ تُرابًا لا عَودَةَ لَهُ، يُنكِرونَ البَعثَ.
الرَّسولُ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: إِنَّهُ لم يَقُل يَومًا: رَبِّ اغفِر لي خَطيئَتي يومَ الدِّينِ، مَعناهُ ما كانَ يُؤمِنُ بِالآخِرَةِ.
هُوَ هَذا عَبدُ اللهِ بنُ جُدعانَ في أوَّلِ أَمرِهِ كانَ فاتِكًا شِرّيرًا، أَبوهُ تَبرّأَ مِنهُ، قالَ لَه أمامَ العَشيرَةِ: أَنتَ لَست ابني، نَفاهُ فَكَرِهَ الحياةَ، قالَ: بَعدَ أَن تَبرّأَ مِنّي أَبي وعَرَفَ قومي ذلِكَ، الحياةُ لا تَطيبُ لي، فَذَهَبَ إلى بعضِ جِبالِ مَكَّةَ يَطلُبُ الموتَ لِتلسَعَهُ حيَّةٌ مَثَلاً في بَعضِ الجِبالِ فَيموتَ، فَوَجَدَ شقًا في جبل فدخله على ظن أنه قد تلسعه حية فيموتُ فوجد ثعُبانًا كَبيرًا ظَنَّهُ ثُعبانًا حَقيقيًّا وهُو في الحقيقةِ لَيسَ كَذلِكَ، هُوَ صورَةُ ثُعبانٍ كَبيرٍ كُلُّهُ ذَهَبٌ وعَيناهُ جَوهَرَتانِ، ورأى كَومَ ذَهَبٍ وكَومَ فِضَّةٍ ورأى رِجالاً طِوالاً على سُرُرٍ وَهُم مِنَ العَرَبِ القُدَماءِ، فَوَجَدَ عِندَ رؤوسِهِم لَوحًا مِن فِضَّةٍ مَكتوبًا فيهِ تاريخُهُم، ومِن جُملَةِ ما فيهِ أَبياتُ شِعرٍ مِنها هذا البيتُ:
صَاحٍ هل رَيتَ أو سَمِعتَ بِراعٍ
        
ردَّ في الضَّرعِ ما جَرى في الحِلابِ
هؤلاءِ كأَنَّهُم كانوا هارِبينَ مِن مَلِكٍ قَصَدَ بِلادَهُم، وكانوا لا يَستطيعونَ دَفعَهُ فأَخَذوا ما أخَذوا مِنَ المالِ والذَّهَبِ، ودَخَلوا هذا الشَقَّ لِيَعيشوا فيهِ إلى أَن يموتوا أو يأتيَ الفَرَجُ، يُشبِهونَ أَهلَ الكَهفِ في بعضِ الصِّفاتِ، أَجسادُهُم كانَت مِن حيثُ الظاهِرِ كما هي، لَكِن لو جَسَّها شَخصٌ لَصارَت كالرَّمادِ، ويمكِن هُم دَهَنوا أَجسادَهُم بالحَنوطِ قبلَ أَن يموتوا، الحَنوطُ شَىءٌ يُرَكَّبُ، أَملاحُ الحَنوطِ نوعانِ: نَوعٌ لِتطييبِ الرّائحةِ فَقط وهَذا يُسَنُّ أَن يوضَعَ لِلمَيِّتِ المسلِمِ، لأَنَّ بعضَ الموتى تَكونُ فيهِم رائِحةٌ كَريهَةٌ، إمّا مَن جُرِحَ في جِسمِهِ كالذي أَصابَتْهُ الآكِلةُ، لأَنَّ الآكِلَةَ مَن أُصيبَ بها تَصيرُ رائِحَتُهُ كَريهَةً، والنَّوعُ الآخِرُ مِنَ الحَنوطِ لِدَفعِ سُرعَةِ بِلى الجِسمِ.
الشَقُّ غارٌ صغيرٌ لا يُنتَبَهُ إِليهِ إلا بِالتَّأمُلِ، ولا يُقصَدُ لِدُخولِهِ عادةً، النّاسُ إِن نَظَروا إِليهِ يَقولونَ هذا مأوى بَعضِ الوُحوشِ والحيّاتِ، ثمَّ هؤلاءِ الذينَ وُجِدوا في هذا الكَهفِ يُحتَمَلُ أَن يَكونوا مِنَ المسلمينَ، ومعنى كلامِهِم الذي وُجِدَ مَكتوبًا على اللّوحِ، أَنّنا لا نَعودُ إلى الحالةِ التي كُنّا فيها كَما أَنَّ الحليبَ لا يَعودُ إلى الضَّرعِ بَعدَما خَرَجَ مِنهُ، أَصابَهُم اليأسُ مِن شِدَّةِ ما حَصَلَ لهم مِنَ الاضطرابِ. وقَد قالَ أَحَدُهُم:
قَدْ يَجمَعُ المالَ غيرُ ءاكِلِه
        
ويأكُلُ المالَ غيرُ مَن جَمَعَهُ
هَذا يَنطَبِقُ عَلَيهِم.
ثمَّ إِنَّ عَبدَ اللهِ بنَ جُدعانَ ذَهَبَ إِلى قومِهِ، وصارَ يُوَزِّعُ عَليهِم من الذَّهَبِ، فَجَعلوهُ سَيِّدًا لهم، بَعدَ هذا صارَ يَتَكَرَّمُ على النّاسِ ويُعطي أَقرِباءَهُ، عَمِلَ عَمَلاً كَثيرًا مِن عَمَلِ الخيرِ والإِحسانِ إلى النّاسِ، لَكِن لا يَنفَعُهُ لأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمدَحَهُ النّاسُ، وهُو لا يؤمِنُ بالآخِرَةِ لِذَلِكَ قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِأنّهُ لا يَنفَعُهُ.
أَمّا المؤمِنُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُها تَكونُ مُوافِقَةً للشَّرِعِ مَع نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ أَي لَيسَ فيها رِياءٌ ولا سُمعَةٌ مَهما كانَت صَغيرةً فَهِي عِندَ اللهِ كَبيرةٌ، أَمّا مَن لا يُنزِّهُ اللهَ عَن مُشابهةِ خَلقِهِ فَلا يَنفَعُهُ شَىءٌ مِن أَعمالِهِ في الآخِرَةِ.
        
واللهُ أَعلَــمُ وأَحكَمُ.

البِدعَةُ في الدِّينِ تَعريفُها 

البِدعَةُ في الدِّينِ تَعريفُها 

البِدعَةُ في الدِّينِ تَعريفُها .... حُكمُها وأَقسامُها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ لَهُ الفَضلُ ولَهُ الثَّناءُ الحسَنُ وصَلَّى اللهُ على سَيِّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِهِ وصَحبِهِ الطّاهِرينَ.
اعلَم أَنَّ البِدعَةَ لُغَةً ما أُحدِثَ على غَيرِ مِثالٍ سابِقٍ، يُقالُ: جِئتُ بِأَمرٍ بَديعٍ أَي مُحدَثٍ عَجيبٍ لم يُعرَفْ قَبلَ ذَلِكَ. وفي الشّرعِ المحدَثُ الّذي لم يَنُصَّ عَلَيهِ القُرءانُ ولا جاءَ في السُنَّةِ. قالَ ابنُ العَرَبي
"لَيسَتِ البِدعَةُ والمحدَثُ مَذمومَينِ لِلَفظِ بِدعَةٍ ومحدَثٍ ولا معناهما، وإِنّما يُذَمُّ مِنَ البِدعَةِ ما يخالِفُ السُنَّةَ، ويُذَمُّ مِنَ المحدَثاتِ ما دعا إِلى الضَّلالَةِ" ا.هـ

أَقسـامُ البِدعَةِ:
والبِدعَةُ تَنقَسِمُ إِلى قِسمَينِ:
بِدعَةِ ضَلالَةٍ: وهِيَ المحدَثَةُ المخالِفَةُ للقُرءانِ والسُنَّةِ.
وبِدعَةِ هُدًى: وهِيَ المحدَثَةُ الموافِقَةُ للقُرءانِ والسُنَّةِ.
وهذا التَّقسيمُ مَفهومٌ مِن حَديثِ البُخارِيِّ ومُسلِمٍ عَن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنها قالَت: قالَ رَسولُ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
"مَن أَحدَثَ في أَمرِنا هذا ما لَيسَ مِنهُ فَهو رَدٌّ" وَرواهُ مُسلِمٌ بِلَفظٍ ءاخَرَ وهو "مَن عَمِلَ عَمَلاً لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنا فَهو رَدٌّ" فَأَفهَمَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ بِقَولِهِ:"ما لَيسَ مِنه" أَنَّ المحدَثَ إِنَّما يَكونُ رَدًّا أَي مَردودًا إِذا كانَ على خِلافِ الشَّريعَةِ، وأَنَّ المحدَثَ الموافِقَ للشَّريعَةِ لَيسَ مَردودًا.
وهَو مَفهومٌ أَيضًا مِمّا رواهُ مُسلِمٌ في صَحيحِهِ مِن حَديثِ جَريرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنّهُ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ
"مَن سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَهُ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أُجورِهِم شَىءٌ، ومَن سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كانَ عَلَيهِ وِزرُها وَوِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِهِ مِن غَيرِ أَن يَنقُصَ مِن أَوزارِهِم شَىءٌ".
وَأَخرَجَ البُخارِيُّ في صَحيحِهِ عَن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ الزّرقيِّ قالَ: كُنّا يومًا نُصَلّي وَراءَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ، فَلَمّا رَفَعَ رَأسَهُ مِن الرَّكعَةِ قالَ
"سمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه" قالَ رَجُلٌ وراءَهُ: رَبَّنا ولَكَ الحمدُ حَمدًا كَثيرًا طيِّبًا مُبارَكًا فيهِ، فَلَمّا انصَرَفَ قالَ"مَن المتَكَلِّمُ" قالَ: أَنا، قالَ"رَأَيتُ بِضعَةً وثَلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرونها أَيُّهُم يَكتُبُها أَوَّلَ".
قالَ ابنُ حَجَرٍ في الفَتحِ في شَرحِ هذا الحديثِ: واستُدِلَّ بِهِ على جوازِ إِحداثِ ذِكرٍ في الصَّلاةِ غَيرِ مَأثورٍ إِذا كانَ غَيرَ مخالِفٍ للمَأثورِ.اهـ ورَوى أَبو داودَ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنّهُ كانَ يَزيدُ في التَّشَهُّدِ 
"وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ" ويَقولُ أَنا زِدتُها اهـ.
وقالَ النَّوَوِيُّ في كِتابِ " تهذيبُ الأَسماءِ و اللُّغاتِ" ما نَصُّهُ: "البِدعَةُ بِكَسرِ الباءِ في الشَّرعِ هِيَ إِحداثُ ما لَم يَكُن في عَهدِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ، وهِيَ مُنقَسِمَةٌ إِلى حَسَنَةٍ وقَبيحَةٍ. قالَ الإِمامُ الشَّيخُ المجمَعُ على إِمامَتِهِ وجلالَتِهِ وتمكُّنِهِ في أَنواعِ العُلومِ وبَراعَتِهِ أَبو محمّدٍ عَبدُ العَزيزِ بنُ عَبدِ السَّلامِ رَحمَهُ اللهُ ورَضِيَ عَنهُ في ءاخِرِ كِتابِ القَواعِدِ: البِدعَةُ مُنقَسِمَةٌ إِلى واجِبَةٍ ومحرَّمَةٍ ومَندوبَةٍ ومَكروهَةٍ ومُباحَةٍ، قالَ والطّريقُ في ذَلِكَ أَن تُعرَضَ البِدعَةُ على قَواعِدِ الشَّريعَةِ، فَإِن دَخَلَت في قواعِدِ الإِيجابِ فَهِيَ واجِبَةٌ، أَو في قواعِدِ التَّحريمِ فَمُحَرَّمَةٌ، أَو النَّدبِ فَمَندوبَةٌ أَو المَكروهِ فَمكروهَةٌ، أَو المُباحِ فَمُباحَةٌ.اهـ كَلامُ النَّووِيِّ.
وقالَ ابنُ عابِدينَ في "رَدُّ المُحتارِ"ما نَصُّهُ: " فَقَد تَكونُ البِدعَةُ واجِبَةً كَنَصبِ الأَدِلَّةِ للرَّدِّ على أَهلِ الفِرَقِ الضّالَّةِ، وتَعَلُّمِ النَّحوِ المُفهِمِ للكِتابِ والسُنَّةِ، ومَندوبَةً كإِحداثِ نحوِ رِباطٍ ومَدرَسَةٍ وكُلِّ إِحسانٍ لم يَكُن في الصَّدرِ الأَوَّلِ، ومَكروهَةً كَزَخرَفَةِ المساجِدِ، ومُباحَةً كالتَّوسُعِ بِلَذيذِ المآكِلِ والمشارِبِ والثِّيابِ" اهـ ورَوى البَيهَقِيُّ بِإِسنادِهِ في مَناقِبِ الشّافِعِيِّ عَن الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قالَ: "المحدَثاتُ في الأُمورِ ضَربانِ: أَحدُهما ما أُحدِثَ ممّا يخالِفُ كِتابًا أَو سُنَّةً أَو أَثَرًا أَو إِجماعًا، فهذِهِ البِدعَةُ الضَّلالَةُ، والثَّانِيَةُ: ما أُحدِثَ مِنَ الخَيرِ لا خِلافَ فيهِ لِواحِدٍ مِن هذا، وهذِهِ محدَثَةٌ غَيرُ مَذمومَةٍ".

مِنَ البِدَعِ المُستَحَبَّةِ
قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في كِتابِهِ العَزيزِ:
 ﴿وجَعَلنا في قلوبِ الّذينَ اتَّبَعوهُ رَأفَةً ورَحمَةً ورَهبانِيَّةً ابتَدعوها ما كَتَبناها عَلَيهِم إِلاّ ابتِغاءَ رِضوانِ اللهِ﴾ سورة الحديد/ 27 . فَهذِهِ الآيَةُ يُستَدَلُّ بها على البِدعَةِ الحسَنَةِ، لأَنَّ مَعناها مَدحُ الّذينَ كانوا مِن أُمَّةِ عيسى المُسلِمينَ المؤمِنينَ المُتَّبِعينَ لَهُ عَلَيهِ السَّلامُ بِالإيمانِ والتَّوحيدِ، فَاللهُ تَعالى مَدَحَهُم لأَنهم كانوا أَهلَ رَأفَةٍ ورَحمَةٍ ولأَنهم ابتَدَعوا رَهبانِيَّةً، والرَّهبانِيَّةُ هِيَ الانقِطاعُ عَن الشَّهَواتِ حتى إِنهم انقَطَعوا عَنِ الزِّواجِ رَغبَةً في تجَرُّدِهِم للعِبادَةِ. فَمَعنى قَولِهِ تَعالى ﴿ما كَتَبناها عَلَيهِم﴾ أَي نحن ما فَرَضناها عَلَيهِم إِنّما هُم أَرادوا التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ، فَاللهُ تَعالى مَدَحَهُم على ما ابتَدَعوا ممّا لم يُنَصَّ لهم عَلَيهِ في الإنجيلِ ولا قالَ لهم المَسيحُ بِنَصٍّ مِنهُ، إِنما هُم أَرادوا المُبالَغَةَ في طاعَةِ اللهِ تَعالى والتَّجَرُّدَ بِتَركِ الانشِغالِ بِالزِّواجِ ونَفَقَةِ الزَّوجَةِ والأَهلِ، فَكانوا يَبنونَ الصَّوامِعَ أَي بُيوتًا خَفيفَةً مِن طينٍ أَو مِن غَيرِ ذَلِكَ على المواضِعِ المُنعَزِلَةِ عَن البَلَدِ لَيَتَجَرَّدوا للعِبادَةِ.

سَنُّ خُبَيبٍ رَكعتَينِ عِندَ القَتلِ
ومِنَ البِدَعِ المُستَحَبَّةِ إِحداثُ خُبَيبِ بنِ عَدِي رَكعَتَينِ عِندَما قُدِّمَ للقَتلِ، كَما جاءَ ذَلِكَ في صَحيحِ البُخارِيِّ، فَفيهِ ما نَصُّهُ:
وكانَ خُبيبٌ هُو قَتَلَ الحارِثَ يومَ بَدرٍ، فَمَكَثَ عِندَهُم أَسيرًا حتى إِذا أَجمَعوا قَتلَهُ استَعارَ موسى مِن بَعضِ بَناتِ الحارِثِ لِيستَحِدَّ بها فَأَعارَتهُ، قالَت: فَغَفِلتُ عَن صَبِيٍّ لي فَدَرَجَ إِلَيهِ حتى أَتاهُ فَوَضَعَهُ على فَخِذِهِ فَلَمّا رَأيتُهُ فَزِعتُ فزعَةً عَرَفَ ذَلِكَ مِني وفي يَدِهِ الموسى فَقالَ: أَتخشَيْنَ أَن أَقتُلَهُ ؟ ما كُنتُ لأَفعَلَ ذاكَ إِن شاءَ اللهُ، وكانَت تَقولُ: ما رَأيتُ أَسيرًا قَط خَيرًا مِن خُبَيبٍ، لَقَد رَأَيتُهُ يَأكُلُ من قِطفِ عِنَبٍ وما بمَكَّةَ يَومَئِذٍ ثَمَرَةٌ وإِنّهُ لَمُوثَقٌ في الحديدِ، وما كانَ إِلاّ رِزقًا رَزَقَهُ اللهُ، فَخَرَجوا بِهِ مِنَ الحَرَمِ لِيَقتُلُوهُ، فَقالَ: دَعوني أُصَلِّي رَكعَتَينِ، ثمَّ انصَرَفَ إِلَيهِم فَقالَ: لَولا أَن تَرَوا أَنَّ ما بي جَزَعٌ مِنَ المَوتِ لَزِدتُ، فَكانَ أَوَّلَ مَن سَنَّ الرَّكعَتَينِ عِندَ القَتلِ هو، ثمّ قالَ:
فَلَستُ أُبالي حينَ أُقتَلُ مُسلِمًا
* * *
على أَي شِقٍّ كانَ للهِ مَصرَعي
وذَلِكَ في ذاتِ الإِلَهِ وإِن يَشَأْ
* * *
يُبارِكْ على أَوصالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ
ثمَّ قامَ إِلَيهِ عُقبَةُ بنُ الحرِثِ فَقَتَلَهُ وبَعَثَت قُرَيشُ إِلى عاصِمٍ لِيُؤتوا بِشَىءٍ مِن جَسَدِهِ يَعرِفونَهُ، وكانَ عاصِمٌ قَتَلَ عظيمًا مِن عُظمائِهِم يَومَ بَدرٍ، فَبَعَثَ اللهُ عَلَيهِ مِثلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتهُ مِن رُسُلِهِم، فَلَم يَقدِروا مِنهُ على شَىءٍ" اهـ

نَقطُ يحيى بنِ يَعمُرَ المصاحِفِ
ومِنَ البِدَعِ المُستَحَبَّةِ: نَقطُ المصاحِفِ وكانَ الصَّحابَةُ الّذينَ كَتَبوا الوحي الّذي أَملاهُ عَلَيهِم الرَّسولُ يَكتُبونَ الباءَ والتّاءَ ونحوَهما بِلا نَقطٍ، ثمّ عُثمانُ بنُ عَفّانَ لَما كَتَبَ سَتَّةَ مَصاحِفَ وأَرسَلَ بِبَعضِها إِلى الآفاقِ إِلى البَصرَةِ ومَكََّةَ وغَيرِهما واستَبقى عِندَهُ نُسخَةً كانَ غَيرَ مَنقوطٍ. وإِنما أَوَّلُ مَن نَقَطَ المصاحِفَ رَجُلٌ مِنَ التّابِعينَ مِن أَهلِ العِلْمِ والفَضْلِ والتَّقوى يُقالُ له يحيى بنُ يَعمُرَ. فَفي كِتابِ المصاحِفِ لابنِ أِبي داودَ السَجِستانيِّ ما نَصُّهُ "حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ، حَدَّثَنا محمّدُ بنُ عَبدِ اللهِ المَخزومِيُّ، حَدَّثَنا أَحمَدُ بنُ نَصرِ بنِ مالِكٍ، حَدَّثَنا الحسينُ بنُ الوليدِ، عَن هارونَ بنِ موسى قالَ
"أَوَّلُ مَن نَقَطَ المصاحِفَ يحيى بنُ يَعمُرَاهـ، وكانَ قَبلَ ذَلِكَ يُكتَبُ بِلا نَقطٍ. فَلَمّا فَعَلَ هذا لم يُنكِرِ العُلَماءُ عَلَيهِ ذَلِكَ، مَع أَنَّ الرَّسولَ ما أَمَرَ بِنَقطِ المُصحَفِ.

زِيادَةُ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَذانًا ثانِيًا يَومَ الجُمُعَةِ
وهذِهِ بِدعَةٌ أَحدَثَها عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَفي صَحيحِ البُخارِيِّ ما نَصُّهُ: حَدَّثَنا ءادَمُ قالَ: حَدَّثَنا ابنُ أَبي ذِئبٍ عَن الزُّهرِيِّ عَن السّائِبِ بنِ يَزيدٍ قالَ:" كانَ النِّداءُ يَومَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذا جَلَسَ الإِمامُ على المِنبرِ، على عَهدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ وأَبي بَكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُما، فَلَمّا كانَ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وكَثُرَ النّاسُ زادَ النِّداءَ الثّالِثَ على الزَّوراءِ" اهـ.

الجَهرُ بِالصَّلاةِ على النَّبيِّ بَعدَ الأَذانِ
ومِنَ البِدَعِ المُستَحَبَّةِ: الجَهرُ بِالصَّلاةِ على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ بَعدَ الأَذانِ، وحَدَثَ هذا بَعدَ سَنَةِ سَبعِمائةٍ، وكانوا قَبلَ ذَلِكَ لا يَجهَرونَ بها.
ومِنها كِتابةُ "صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ" عِندَ كِتابَةِ اسمِهِ، ولَم يَكتُبِ النَّبيُّ ذَلِكَ في رَسائِلِهِ الّتي أَرسَلَ بها إِلى المُلوكِ والرُّؤساءِ وإِنما كانَ يَكتُبُ مِن محمّدٍ رَسولِ اللهِ إِلى فُلانٍ.
ومِنَ البِدَعِ المُستَحَبَّةِ: الطُّرقُ الّتي أحَدَثَها بَعضُ أَهلِ اللهِ كالرِّفاعِيَّةِ والقادِرِيَّةِ وهِي نحو أَربَعينَ، فَهذِهِ الطُّرُقُ أَصلُها بِدَعٌ حَسَنَةٌ، ولكِن شَذَّ بَعضُ المُنتَسِبينَ إِليها وهذا لا يَقدَحُ في أَصلِها.

جوازُ الاحتِفالِ بِالمولِدِ الشَّريفِ
ومِنَ البِدَعِ الحسَنَةِ الاحتِفالُ بمولِدِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ فهذا العَمَلُ لم يَكُن في عَهدِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ ولا فيما يَليهِ إِنما أُحدِثَ في أَوائِلِ القَرنِ السّابِعِ الهِجرِيِّ، وأَوَّلُ مَن أَحدَثَهُ مَلِكُ إِربِلَ، وكانَ عالِمًا تَقِيًّا شُجاعًا يُقالُ لَهُ المُظَفَّرُ، جمَعَ لهذا كثيرًا مِنَ العُلَماءِ فيهِم مِن أَهلِ الحديثِ والصّوفِيَّةِ الصّادِقينَ. فاستَحسَنَ ذَلِكَ العَمَلَ العُلَماءُ في مَشارِقِ الأَرضِ ومَغارِبها.
وللحافِظِ السُّيوطِيِّ رِسالَةٌ سمّاها "حُسنُ المَقصِدِ في عَمَلِ المولِدِ" قالَ: "إِنَّ أَصلَ عَمَلِ المولِدِ الّذي هو اجتِماعُ النّاسِ، وقِراءَةُ ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرءانِ، ورِوايِةُ الأَخبارِ الوارِدَةِ في مَبدَإِ أَمرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ وما وَقَعَ في مَولِدِهِ مِنَ الآياتِ ثمَّ يُمَدُّ لهم سِماطٌ يَأكلونَهُ ويَنصَرِفونَ مِن غَيرِ زِيادَةٍ على ذَلِكَ هو مِنَ البِدَعِ الحَسَنَةِ الّتي يُثابُ عَلَيها صاحِبُها لِما فيهِ مِن تَعظيمِ قَدرِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ وإِظهارِ الفَرَحِ والاستِبشارِ بمولِدِهِ الشَّريفِ. وأَوَّلُ مَن أَحدَثَ فِعلَ ذَلِكَ صاحِبُ إِربِلَ الملِكُ المُظََفَّرُ.
وقالَ ابنُ كَثيرٍ في تاريخِهِ: "كانَ يَعمَلُ المولِدَ الشَّريفَ ـ يَعني الملِكَ المُظَفَّرَ ـ في رَبيعِ الأَوَّلِ ويحتَفِلُ بِهِ احتِفالاً هائِلاً، وكانَ شَهِمًا شُجاعًا بَطَلاً عاقِلاً عالِمًا عادِلاً رَحمَهُ اللهُ وأَكرَمَ مَثواهُ. قالَ: وقَد صَنَّفَ لَهُ الشَّيخُ أَبو الخطّابِ بنُ دَحيةَ مجلَّدًا في المولِدِ النَّبَوِيِّ سمّاهُ "التَّنويرُ في مَولِدِ البَشيرِ النَّذير" فَأَجازَهُ على ذَلِكَ بِأَلفِ دينارٍ، وقَد طالَت مُدَّتُهُ في المُلكِ إِلى أَن ماتَ وهو محاصِرٌ للفَرَنجِ بمدينَةِ عكّا سَنَةَ ثلاثينَ وسِتِمائةٍ، محمودَ السِّيرَةِ والسَّريرَةِ " اهـ.
ويَذكُرُ سِبطُ ابنِ الجَوزِيِّ في "مِرءاةُ الزَّمانِ" أَنّهُ كانَ يحضُرُ عِندَهُ في المَولِدِ أَعيانُ العُلَماءِ والصّوفِيَّةِ.
وقالَ السُّيوطِيُ: "وقَد استَخرَجَ لَهُ ـ أَي المولِدِ ـ إِمامُ الحُفّاظِ أَبو الفَضْلِ أَحمَدُ بنُ حَجَرٍ أَصْلاً مِنَ السُنَّةِ، واستَخرَجتُ لَهُ أَصْلاً ثانِيًا".
فَتَبَيَّنَ مِن هذا أَنَّ الاحتِفالَ بِالمولِدِ النَّبَوِيِّ بِدعَةٌ حَسَنَةٌ فَلا وَجهَ لإِنكارِهِ، بَل هُو جَديرٌ بِأَن يُسَمّى سُنَّةً حَسَنَةُ لأَنَّهُ مِن جملَةِ ما شَمَلَهُ قَولُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
"مَن سَنَّ في الإَسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وأَجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَهُ لا يَنقُصُ مِن أُجورِهِم شَىءٌ".

 

التَّــقوى و الاجتِهــادُ

التَّــقوى و الاجتِهــادُ

التَّــقوى و الاجتِهــادُ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ لَهُ الفَضلُ ولَهُ الثَّناءُ الحسَنُ وصَلَّى اللهُ على سَيِّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِهِ وصَحبِهِ الطّاهِرينَ.
أَمّا بَــعدُ فَإِنَّ اللهَ سُبحانَهُ وتَعالى قالَ في كِتابِهِ الـعَزيزِ
﴿وَاتّقُوا اللهَ وَيُعَلّمُكُم الله﴾ سورة البقرة /282. هذِهِ الآيةُ يَذهَبُ بَعضُ النَّاسِ في فَهمِها إِلى غَيرِ ما أُريدَ بها. فَيَجِبُ مَعرِفَةُ المَعنى المُرادِ لِيَحذَرَ ذَلِكَ المعنى الّذي هُو غَيرُ مُرادٍ عِندَ أَهلِ المعرِفَةِ، فَمَعناها الصَّحيحُ الحقيقيُّ الأَمرُ للعِبادِ بِأَنَّ يَتَّقوا رَبهُم.
ومَعنى "اتِّقاءُ اللهِ تَعالى" لَيسَ مجرَّدَ القِيامِ بِصورَةِ الصَّلاةِ وصورَةِ الصِّيامِ والزَّكاةِ والحَجِّ وكَثرَةِ التَّرَدُّدِ إِلى المساجِدِ وكَثرَةِ التِّلاوَةِ للقُرءانِ، إِنما التَّقوى عِبارِةٌ عَن أَمرٍ عَظيمٍ شاقٍّ على النُّفوسِ، فَهِيَ وإِن كانَت كَلِمَةً مُوجَزَةً خَفيفَةً على اللِّسانِ لَكِنَّها ثَقيلَةٌ في المعنى، وذَلِكَ لأَنها تَشمُلُ أَداءَ ما افتَرَضَ اللهُ على عِبادِهِ كُلِّهِ واجتِنابَ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِم كُلِّهِ. فَالأَمرُ الّذي افتَرَضَهُ اللهُ على العِبادِ مِنهُ أَعمالٌ قَلبِيَّةٌ ومِنهُ أَعمالٌ بَدَنِيَّةٌ ومِنهُ عِلمٌ ومِنهُ عَمَلٌ؛ لَيسَتِ التَّقوى مجرَّدَ القِيامِ بِصُوَرِ الأَعمالِ مِن صَلاةٍ وصِيامٍ ومُلازَمَةِ مَسجِدٍ وحَجٍّ وإِكثارِ الصَّدَقاتِ، بَل التَّقوى مَدارُها على أَمرَينِ عَظيمَينِ، أَحدُهما أَن يُؤدِيَ العَبدُ ما افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ مِن أَعمالِ القَلبِ وأَعمالِ البَدَنِ. فَأَمّا أَعمالُ القَلبِ فَهِيَ مَعرِفَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ومَعرِفَةُ رَسولِهِ، أَي الإِيمانُ بهما إيمانًا جازِمًا بِلا تَرَدُّدٍ ولا تَشَكُّكٍ، وكَذَلِكَ العِلمُ بما بَعدَ ذَلِكَ مِن أُصولِ العَقيدَةِ كالإِيمانِ بملائِكَةِ اللهِ والإِيمانِ بِرُسُلِهِ والإِيمانِ بِاليَومِ الآخِرِ أَنّهُ لا بُدَّ مِنهُ بِأَن يُحشَرَ النَّاسُ بِأَجسادِهِم وأَرواحِهِم بَعدَ إِعادَةِ الأَجسادِ الّتي بَلِيَت، أَي أَكَلَها التُّرابُ لَيسَ مجرَّدَ عَودِ الرُّوحِ، فالمَعادُ الرّوحانيُّ لا يَكفي اعتِقادُهُ، بَل لا بُدَّ مِن اعتِقادِ المَعادِ الجِسماني والمَعادِ الرّوحاني، أَمّا الجِسمُ فَإِنّهُ يُعادُ بَعدَ أَن انعَدَمَ.
اللهُ تَبارَكَ وتَعالى الّذي بَدَأَهُ قادِرٌ على أَن يُعيدَهُ بَعدَ الفَناءِ، وأَمّا إِعادَةُ الرُّوحِ فَالرُّوحُ مُنذُ انفَصَلَت مِنَ الجَسَدِ بِالمَوتِ لم تَزَل مَوجودَةً، هِيَ باقِيَةٌ خُلِقَت للبَقاءِ، إِنما الفَناءُ الّذي يُصيبُ الإِنسانَ هُو مُفارَقَةُ الرُّوحِ الجَسَدَ، هذا الّذي لا بُدَّ مِنهُ لِكُلِّ إِنسانٍ، الأَنبياءُ والشُّهَداءُ وغَيرُهُم، أَمّا في ما بَعدَ ذَلِكَ فَالرُّوحُ لا تَزالُ باقِيةً، اللهُ تَعالى خَلَقَها للبَقاءِ فأَمّا الأَجسادُ فَقِسمانِ:
قِسمٌ خَلقَها اللهُ تعَالى للبِلى أَي يَتَسَلَّطُ عَلَيها التُّرابُ فَتَنعَدِمُ، وقِسمٌ مِنها خَلَقَها الله للبَقاءِ كأَجسامِ الأَنبياءِ والشُّهداءِ الّذينَ ماتوا في قِتالِ الكُفّارِ ومَن أَرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لهم ذَلِكَ مِن أَولِيائِهِ وخاصَّةِ خَلقِهِ.
وأَصلُ الأُمورِ الواجِبَةِ العِلمِيَّةِ أَي الأَصلُ الّذي لا بُدَّ مِنهُ لِصِحَّةِ الإِسلامِ والإِيمانِ هُو مَعرِفَةُ اللهِ ورَسولِهِ، هذا أَساسُ الدِّينِ الّذي لا يَكونُ الإِنسانُ مُؤمِنًا ولا مُسلِمًا بِدونِ ذَلِكَ، فَمَن حَصَلَت لَهُ هذِهِ المعرِفَةُ جازِمًا بها مِن غَيرِ تَرَدُّدٍ ولا تَشَكُّكٍ فَهُو مُسلِمٌ مُؤمِنٌ لكنَّهُ لا يَكونُ مُسلِمًا كامِلاً إِلاّ بَأَداءِ جميعِ ما افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ واجتِنابِ جميعِ ما حَرَّمَهُ عَلَيهِ. قالَ بَعضُ العُلَماءِ "العِلمُ أَوَّلاً ثمَّ العَمَلُ" وذَلِكَ لأَنَّ العِلمَ يَشمُلُ العِلمَ بِاللهِ أَي مَعرِفَةَ اللهِ، والعِلمَ بِرَسولِهِ أَي مَعرِفَةَ رَسولِهِ، لِذَلِكَ قالوا: العِلمُ قَبلَ العَمَلِ، لأَنَّ العَمَلَ لا يَصِحُّ بِدونِ عِلمٍ. لِذَلِكَ قالَ اللهُ تَبارَك وتَعالى
﴿فَاعْلَمْ أنّهُ لاَ إلهَ إلاَ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَللْمُؤمِنِينَ﴾[سورة محمد /ءاية 19]الآية .
قَدَّم ذِكرَ العِلمِ، والعِلمُ هُنا شامِلٌ للعِلمِ بِأُصولِ العَقيدَةِ، وأَصلُ العَقيدَةِ هُو مَعرِفَةُ اللهِ، ويَقتَرِنُ بِذَلِكَ مَعرِفَةُ رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ. ومِن جملَةِ ما افتَرَضَ اللهُ على عِبادِهِ، تَعَلُّمُ هذا العِلمِ الّذي فَرَضَهُ اللهُ على العِبادِ، وهُو عِلمُ أُصولِ الدِّينِ، وعلِمُ الأَحكامِ كمَعرِفَةِ أَحكامِ الصَّلاةِ لأَدائِها على الوَجهِ الصَّحيحِ المُوافِقِ لما أَمَرَ اللهُ بِهِ، وسائِرِ الأَعمالِ الّتي لا يَستَغني عَنها المُسلِمُ لكونِها فَرضًا عَينِيًّا على كُلِّ مُكَلَّفٍ. فَمَن تَعَلَّمَ أُصولَ العَقيدَةِ، وتَعَلَّمَ عِلمَ الدِّينِ الضَّرورِيَّ المُتَعَِّلقَ بالعَمَلِيّاتِ، بِالعِباداتِ العَمَلِيَّةِ، كَأَمرِ الصَّلاةِ ... واجباتِها ومُبطلاتِها، وأَحكامِ الصِّيامِ...واجِباتِهِ ومُبطلاتِهِ، فَهذا قَد قامَ بِبَعضِ ما افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ.
فَمَعنى قَولِهِ تَعالى
﴿وَاتَّقوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ سورة البقرة /آية 282/ أَدُّوا ما افتَرَضتُ عَلَيكُم مِن عِلمٍ وعَمَلٍ وتجنَّبوا ما حَرَّمتُ عَلَيكُم مِن أَعمالِ القُلوبِ وأَعمالِ البَدَنِ.
فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ يُكرِمُهُ اللهُ تَبارَك وتَعالى بِالعِلمِ الّذي هُو العِلمُ اللدُنّي. فَالعَبدُ المؤمِنُ إِذا تَعَلَّمَ ما افَتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ مِنَ العِلمِ الضَّرورِيِّ في دِينِ الله وعَمِلَ وصَدَقَ في عَمَلِهِ، عَمِلَ بِإِخلاصٍ كَما أَمَرَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِندَئذٍ يَكونُ أَهلًا للعِلمِ اللدُنّي، وهُو العِلمُ الّذي يُفاضُ على القَلبِ، على قَلبِ العَبدِ المؤمِنِ التَّقِيِّ، أَمّا مِن دونِ ذَلِكَ، أَي مِن دونِ أَداءِ جميعِ ما افتَرَضَ اللهُ عَلَيهِ بما فيهِ مِن عِلمِ الدِّينِ الضَّرورِيِّ فَلَيسَ للعَبدِ حَظٌّ في هذا العِلمِ اللَّدُنّي.
كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعيشونَ في غُرورٍ، لا يَتَعَلَّمونَ العِلمَ الضَّرورِيَّ مِن عِلمِ الدِّينِ لَكِنَّهُم يَقومونَ بِصُوَرِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والحجِّ ويَتَرَدَّدونَ إِلى المساجِدِ ويُكثِرونَ مِنَ الصَّدَقاتِ ويَظُنّونَ مَع جَهلِهِم بِعلمِ الدِّين الضَّروريِّ، يَظُنّونَ بِأَنفُسِهِم أَنهم صاروا أَهلاً لِلعِلمِ اللَّدُنّي بِلا تَعَلُّمٍ، وأَنَّ العِلمَ اللَّدُنّي يَأتي بِلا تَعَلُّمٍ، هَؤلاءِ يَظُنّونَ بِأَنفُسِهِم أَنهم صاروا أَهلاً لِذَلِكَ العِلمِ، يَقولونَ نحنُ نُلازِمُ الصَّلواتِ والصِّيامَ والزَّكاةَ ونَتَصَدَّقُ ونُكثِرُ القِراءَةَ والذِّكرَ وقَد انتَسَبنا إلى الطّريقَةِ الفُلانِيَّةِ فَنَحنُ صِرنا أَهلاً للعِلمِ اللَّدُنّي، فَيَزعُمونَ لأَنفُسِهِم أَنهم صاروا أَهلاً للمُكاشَفاتِ بأَسرارٍ خَفِيَّةٍ يُطلِعُ اللهُ عَلَيها أَولياءَهُ، فَهَؤلاءِ في غُرورٍ يُؤدّي بهم إلى الهَلاكِ العَظيمِ.
ظَنُّوا أَنَّ تَقوى اللهِ هِيَ عِبارَةٌ عَن القِيامِ بِصورِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحجِّ والزَّكاةِ والإِكثارِ مِن الصَّدَقاتِ والتَّرَدُّدِ إِلى المساجِدِ، يَظُنّونَ أَنَّ هذِهِ هِيَ تَقوى اللهِ، فَهيهاتَ هَيهاتَ أَن يَكونَ هذا ميزانُ التَّقوى، لِذَلِكَ كَثيرٌ ممّن يَنتسبونِ إِلى بَعضِ الطُّرُقِ يَظُنّونَ أَنفُسَهُم صاروا أَهلاً لِذَلِكَ، فَيعتَمِدونَ على أَوهامِهِم وخواطِرِهِم، مَع أَنَّ الأَولياءَ الصّادِقينَ الكامِلينَ الّذينَ سَلَكوا هذا المنهَجَ وهو أَداءُ الواجِباتِ جميعِها واجتِنابُ المحرَّماتِ كُلِّها بما في الواجِباتِ مِن تَعَلُّمِ العِلمِ الدِّينيِّ الّذي لا يَستَغني عَنهُ مُكَلَّفٌ، مَع ذَلِكَ كُلِّهِ لا يَعتَمِدونَ على خواطِرِهِم، بَل يَرُدّون خواطِرَهم ويَزِنونها بميزانِ الكِتابِ والسُنَّةِ، أَي بميزانِ القُرءانِ والحديثِ، فَإِن وافَقَت خَواطِرُهم ذَلِكَ أَي الكِتابَ والسُنَّةَ فَرِحوا بها، وإِن خالَفَت رَدّوها.
هذا الإِمامُ الجُنَيدُ أَبو القاسِمِ البَغدادِيُّ سَيِّدُ الطّائِفَةِ الصّوفِيَّةِ جاءَ عَنهُ أَنّهُ قالَ: "ربما تخطُرُ لي النُّكتَةُ مِن نُكَتِ القَومِ"، أَي يَرِدُ عليَّ وارِدٌ مِن الوارِداتِ الّتي تَرِدُ للأَولياءِ، "فلا أَقبَلُها إِلاّ بِشاهِدي عَدلٍ مِنَ الكِتابِ والسُنَّةِ"، أَي أَرجِعُ إِلى الكِتابِ والسُنَّةِ، فَإِن وافَقَ هذا الوارِدُ الكِتابَ والسُنَّةَ أَخَذتُ بِهِ، وإِلاّ فَلا ءاخُذُ بِهِ ومَع ذَلِكَ فَقَد قالَ عُلَماءُ الأُصولِ: "إِلهامُ وَليٍّ لَيسَ بِحُجَّةٍ" أَي أَنَّ الحجَّةَ الكِتابُ والسُنَّةُ، فَالمجتَهِدُ إِذا عَرَفَ أَنَّ مَسئَلَةً مِنَ المسائِلِ الّتي تحدُثُ لَهُ، أَو تحدُثُ لِغَيرِهِ ـ غَيرُ مَنصوصٍ عَلَيها ـ يَستَخرِجُ لها الحُكمَ مِنَ القُرءانِ والحَديثِ على حَسَبِ اجتِهادِهِ وفَهمِهِ الّذي ءاتاهُ اللهُ، فَلَهُ أَن يَعمَلَ لِنَفسِهِ بِاجتِهادِهِ وأَن يُفتيَ لِغَيرِهِ باجتِهادِهِ. هذا في حَقِّ المجتَهِدِ، وأَمّا مَن كانَ دونَ المجتَهِدِ فَليسَ لَهُ ذَلِكَ، أَي لَيسَ لَهُ أَن يُحاوِلَ استِخراجَ أَحكامِ الحادِثاتِ الّتي تحدُثُ لَهُ في خاصَّةِ نَفسِهِ أَو تحدُثُ لِغَيرِهِ فيُستفتَى عَنها، أَن يُفتيَ نَفسَهُ أَو غَيرَهُ ويَكتَفي بِذَلِكَ، لا يجوزُ، لأَنَّ الرَّسولَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم بَيَّنَ لَنا أَنَّ الّذين يَسمَعونَ القُرءانَ أَو الحديثَ قِسمانِ: قِسمٌ يَروونَ اللَّفظَ، حَظُّهُم أَن يَرووا اللَّفظَ وهُم أَكثَرُ المسلمينَ.
وقِسمٌ لهم حَظٌّ فَوقَ ذَلِكَ، وهُوَ أَنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أَعطاهُم قُوَّةَ ذِهنٍ بحيثُ يَقتَدِرونَ على إِخراجِ مَسائِلَ مِنَ القُرءانِ والحديثِ لَيسَت مَنصوصَةً إِنما القُرءانُ يَدُلُّ عَلَيها مِن طَريقِ الإِشارَةِ والتَّنبيهِ، أَو الحديثُ يَدُلُّ عَلَيها مِن طَريقِ الإِشارَةِ والتَّنبيهِ.
فَالحاصِلُ أََنّهُ لا يجوزُ الاعتمادُ على الخاطِرِ بحيثُ يُتَّخَذُ دليلاً شَرعِيًا بَل المرجِعُ في ذَلِكَ بِالنِّسبَةِ للأَحكامِ الرُّجوعُ إِلى المجتَهِدينَ لمَن لم يَكُن مجتَهدًا.
وأَمّا مَن رَزَقَهُ اللهُ مَرتَبَةَ الاجتِهادِ فَهُو غَنيٌّ عَن تَقليدِ المجتَهِدينَ، لَكِن الّذي يَرزُقُهُ اللهُ الاجتِهادَ لا يخرُجُ عَمَّا أَجمَعَ عَلَيهِ الأَئِمّةُ الّذين مَضَوا قَبلَهُ، لا يخرُجُ عَن مجموعِ أَقاوِيلِهم إِنما غايَةُ ما يَصِلُ إِلَيهِ أَنّهُ يَرى أَنَّ قَولَ المجتَهِدِ الفُلاني أَقوى مِن قَولِ الآخَرينَ بِالنَّظَرِ إِلى وُجوهِ الدِّلالَةِ مِنَ الآياتِ والأَحاديثِ ولَه أَيضًا أَمرٌ ثانٍ، وهُوَ أَنَّهُ يَستَخرِجُ في الحادِثاتِ الّتي لم يَتَكَلَّم عَلَيها الأَئِمَّةُ الماضونَ، أَي لم يُفتوا فيها لا في مُؤلَّفاتهم ولا مُشافَهَةً لِغَيرِهِم، فَهذا الّذي رُزِقَ الاجتِهادُ بَعدَ أُولَئِكَ الأَئِمَّةِ يَستَخرِجُ لهذِهِ الحادِثاتِ التي تحدُثُ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، ممّا لم يَسبِق لِلمُجتَهِدينَ الماضينَ الكلامُ فيها، فَيستَخرِجُ لها أَحكامًا مِنَ الكِتابِ والسُنَّةِ، فَهؤلاءِ لا نَقولُ إِنهم مَعدومونَ بَعدَ المائةِ الرّابِعَةِ كَما يَقولُ بَعضُ العُلَماءِ، بَل نَقولُ كَما قالَ بَعضُ الأُصولِيّينَ:" لا تخلو الأَرضُ مِن قائِمٍ للهِ تَعالى بحجَّةٍ" أَي لا تخلو الأَرضُ ممّن أُعطِيَ هذِهِ المرتَبَةَ، مَرتَبَةَ الاجتِهادِ، لَكِن لَيسَ شَرطًا أَن يُعلِنَ عَن نَفسِهِ للنّاسِ ذَلِكَ، لَيسَ شَرطًا، بَل كَثيرٌ مِنهُم يَأتي اجتهادُهم موافِقًا لاجتِهادِ الشّافِعي، أَو اجتِهادِ مالِكٍ أَو غَيرِهِما، فَلا يُعلِنُ عَن نَفسِهِ لأَنَّ اجتِهادَهُ في الغالِبِ لا يخرُجُ عَن اجتِهادِ الشّافِعيِّ أَو اجتِهادِ مالِكٍ أَو اجتِهادِ إِمامٍ ءاخَرَ، فيرى في نَفسِهِ أَنَّ النّاسَ بِغَنى عَنهُ لأَخذِهِم بمذاهِبِ الأَئِمّةِ المتبوعينَ كهذا الإمامِ الشَّافِعيِّ والإِمامِ مالِكٍ وغيرِهما.
فإِذا قالَ لَكُم قائِلٌ: هذا اجتِهادي، وهُو لَيسَ بِأَهلٍ للاجتِهادِ فاعلَموا أَنّهُ مَفتونٌ، يُهلِكُ نَفسَهُ ويُهلِكُ غَيرَهُ، الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ قالَ
"رُبَّ حامِلِ فِقهٍ إِلى مَنْ هُوَ أَفقَهُ مِنهُ ورُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقيهٍ" رَواهُ التِّرمِذِيُّ وابنُ حِبّانٍ. المعنى أَنَّ مِنكُم مَن يَسمَعُ مني فَقَط ولا يَستَطيعُ أَن يَستَخرِجَ الأَحكامَ ممّا يَسمَعُهُ مِنّي، وقَد يَكونُ هذا الّذي يَسمَعُ مِني الحديثَ أَو القُرءانَ حَظُّهُ أَن يُبَلِّغَ غَيرَهُ، وذَلِكَ الغَيرُ يَكونُ أَقوى مِنهُ قَلبًا، أَقوى مِنهُ ذَكاءً، فَيستَطيعُ أَن يَستَخرِجَ الأَحكامَ. بَعضُ الصَّحابَةِ كانَ حَظُّهُم أَن يَرووا الحديثَ للنَّاسِ لِمن لم يرَ الرَّسولَ، يَرووهُ كَما سمِعوهُ، هذا كانَ حَظُّهُم، أَمّا أَن يجتَهِدوا فيسَتَخرِجوا الأَحكامَ ممّا يَسمعونَهُ مِنَ الرَّسولِ فَلا، لَيَس لهم اقتِدارٌ على ذَلِكَ. ثمَّ أُولَئِكَ الّذينَ يُبَلِّغونهم هؤلاءِ الصَّحابَةُ الّذينَ هُم لَيسَ لهم اقتِدارٌ على الاجتِهادِ، مِنهُم مَن أُعطِيَ تِلكَ المقدِرةَ على استِخراجِ الأَحكامِ مِنَ القُرءانِ والأَحاديثِ، هذا معنى قَولِ الرَّسولِ: "فرُبَّ حامِلِ فِقهٍ ليس بفقيه ورُبَّ حامِلِ فِقهٍ إِلى مَن هُو أَفقَهُ مِنهُ" فَعَلِمنا مِن هذا الحديثِ أَنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن لَيسوا مُقتِدِرينَ على الاجتِهادِ، إِنما حَظُّهُم أَن يُبَلِّغوا الحديثَ إِلى غَيرِهِم كما سمِعوهُ. إِذا كانَ هذا في الصَّحابَةِ فما ظَنُّكُم بِأَهلِ عَصرِنا هذا؟ كَيفَ يَدَّعي أَحَدُهُم لِنَفسِهِ أَنّهُ يجتَهِدُ لِيَقولَ: أُولَئِكَ رِجالٌ ونحنُ رِجالٌ كَما اجتَهدوا نجتَهِدُ. أَلَيسَ هذا غُرورًا ظاهِرًا؟ فَلو كانَ مَعرِفَةُ الحديثِ، الاطلاعُ على الحديثِ والآياتِ القُرءانيَّةِ لو كانَ مجرَّدُ ذَلِكَ كافِيًا للاجتِهادِ ما قالَ الرَّسولُ هذا"رُبَّ حامِلِ فِقهٍ لَيسَ بِفَقيهٍ": أَي لا يَقدِرُ أَن يجتَهِدَ فَيستَخرِجَ الأَحكامَ، إِنما حَظُّهُ أَنّهُ يَروي ما سَمِعَ، لأَنَّ القَرائِحَ تختَلِفُ، قَريحةٌ أَقوى مِن قَريحةٍ، وهَكَذا النَّاسُ مَراتِبُ، مَراتِبُ في الفَهمِ والذَّكاءِ والحِفظِ، فَلو طالَعَ هذا الّذي لم يُؤتَ تِلكَ القَريحةَ القَوِيَّةَ، لو طالَعَ كُلَّ ما أُلِّفَ في الدُّنيا مِن كُتُبِ عِلمِ الشَّريعَةِ لا يَصِلُ إِلى تِلكَ المرتَبَةِ، مَهما حاوَلَ لأَنَّ قَلبَهُ لَيسَ لَهُ استِعدادٌ لِذَلِكَ. فَمِن أَينَ يِصِلُ؟ نحنُ إِذا إِنسانٌ رُزِقَ تِلكَ المرتَبَةَ لا نُكَذِّبُهُ. لا نَقولُ: لا يَأتي بَعدَ القَرنِ الرابِعِ الهِجرِيِّ مجتَهِدٌ، كما قالَ بَعضُ العُلَماءِ، لا، بَل نُسَلِّمُ لَهُ، إِن كانَ مُستَوفِيًا لِشُروطِ المجتَهِدِ، وإِلاّ فَنُرشِدُهُ إِلى الرُّجوعِ عَن دَعواهُ والتَّوبَةِ مِن ذَلِكَ والتِزامِ فتاوى أَئِمَّةِ الاجتِهادِ الّذينَ سَبَقوهُ.
ثمَّ مِن عَلاماتِ كَونِ الرَّجُلِ كَذّابًا مِن غَيرِ أَهلِ الاجتِهادِ أَن يَأتي بِفتوى هِيَ تخالِفُ جميعَ المجتَهِدينَ الّذينَ سَبَقوهُ، المجتَهِدُ لا يُؤدّيهِ اجتِهادُهُ إِلى الخُروجِ مِنَ الإِجماعِ، إِنما اجتِهادُهُ يُؤَدّي بِهِ إِلى تَرجيحِ اجتِهادِ إِمامٍ على غَيرِهِ، فَيأخُذُ بِهِ ويُفتي بِهِ للنَّاسِ. وقَد يجتَهِدُ في مَسئَلَةٍ لم تحدُث قَبلَ ذَلِكَ في أَيّامِ الأَئِمَّةِ فَيجتَهِدُ فيها، ويَستَخرِجُ لها حُكمًا. فَلا يَعدو أَمرُ المجتَهِدِ هاتَينِ الحالَتَينِ. أَمّا مَن تجاوَزَ هاتَينِ الحالَتَينِ فإِنّهُ مِنَ المخدوعينَ المغرورينَ
نَذكُرُ مِثالاً لِما يَدُلُّ على أَنَّ القَرائِحَ تختَلِفُ بِالفِطنَةِ، والذَّكاءِ والفَهمِ.كان الشّافِعيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عُمُرُهُ نحو أَربَعَ عَشرَةَ سَنَةً أَو خمسَ عَشرَةَ سَنَةً، كانَ يَدرُسُ العِلمَ عِندَ مالِكٍ بِالمدينَةِ المُنَوَّرَةِ، فاتَّفَق أَنَّ رَجُلاً جاءَ إِلى مالِكٍ فاستَفتاهُ قالَ لَهُ: إِني حَلفتُ بِالطّلاقِ أَنَّ هذا القُمريَّ لا يَهدَأُ مِن صِياحٍ. فَنَظَرَ مالِكٌ فَأَدّاهُ نَظَرُهُ واجتِهادُهُ إِلى أَنَّ هذا الإِنسانَ حَنثَ في حَلِفِهِ، فَطَلقَت امرَأَتُهُ، لأَنَّ القُمرِيَّ لا بُدَّ أَن يَهدَأَ مِن صِياحٍ، لَيسَ كُلَّ ساعَةٍ يَصيحُ. فَأفتاهُ بِطلاقِ امرَأَتِهِ. فَعَلِمَ الشّافِعِيُّ بهذِهِ الفَتوى فاجتَهَدَ الشّافِعِيُّ فَلم يوافِقْ عَلَيها قالَ: الشَّخصُ مُرادُهُ بِقَولِهِ إِنَّ هذا القُمرِيَّ لا يَهدأُ مِن صِياحٍ، أَنَّهُ كَثيرُ الصِّياحِ، لَيسَ مَعناهُ أَنّهُ لَيسَت لَهُ فَترَةٌ يَسكُتُ فيها عَنِ الصِّياحِ، وأَنَّ الطّلاقَ لم يَقَعْ على زَوجَتِهِ لأَنّهُ في أَكثَرِ أَحوالِهِ يَصيحُ، وفي بَعضٍ مِنها لا يَصيحُ، فَلَم يحصُلِ الطّلاقُ لأَنّهُ في العُرفِ يُقالُ لَهُ لا يَهدَأُ مِن صِياحٍ فَلَم يَحنِث في حَلِفِهِ، ما انكَسَرَ حَلِفُهُ، قالَ لَهُ لم تَطلُق امرَأتُكَ. هُو الشّافِعِيُّ أَخَذَ هذا الحُكمَ مِن حَديثٍ صَحيحِ الإِسنادِ أَنَّ نَبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ جاءَتهُ امرَأَةٌ فاستَشارَتهُ للتَّزَوُّجِ بِرَجُلَينِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ أَبو جَهمٍ وَرَجُلٍ ءاخَرَ هو مُعاوِيَةُ بنُ أَبي سُفيانٍ. فَقالَ لها الرَّسولُ مِن بابِ النَّصيحَةِ
"أمّا أَبو جَهمٍ فَلا يَضَعُ العصا عَن عاتِقِه" يَعني أَنّهُ ضَرّابٌ، ضَرّاٌب للنِّساءِ"وأَمّا مُعاوِيةُ فَصُعلوكٌ، عَلَيكِ بِفُلانٍ" سمّى لها شَخصًا ثالِثًا
الشّافِعِيُّ مِن هذا الحديثِ استَخرَجَ أَنَّ هذا القُمرِيَّ لَيسَ المرادُ أَنّهُ لا يَهدَأُ بِالمرَّةِ مِنَ الصِّياحِ إِنما المُرادُ أَنّهُ كَثيرُ الصِّياحِ، ما دامَ مُستَيقِظًا الصِّياحُ يَغلِبُ عَلَيهِ، صِياحُهُ يَغلِبُ على سُكوتِهِ، فَلا يحنِثُ هذا الرَّجُلُ الّذي عَلَّقَ طلاقَ زَوجَتِهِ. كَما أَنَّ الرَّسولَ لمّا قالَ
"أَمّا أَبو جَهمٍ فَلا يَضَعُ العَصا عَن عاتِقِه"، ما أَرادَ أَنّهُ في حالِ النَّومِ وفي حالِ الأَكلِ والشُّربِ وفي حالِ الصَّلاةِ يَظَلُّ حامِلاً عَصاهُ على عاتِقِهِ، ما عنى ذلك. إِنما عنى أَنّهُ كَثيرُ الحَملِ للعصا، يَغلِبُ عَلَيهِ حملُ العَصا على عاتِقِهِ، فَالشّافِعِيُّ مِن هُنا استَخرَجَ فَتوى لهذا الرَّجُلِ. فَرَجِع الرَّجُلُ إِلى مالِكٍ فَقالَ لَهُ: إِنَّ ههنا فتى يَقولُ: لم تَطلُق امرَأتُكَ. فَقالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَحَضَرَ الشّافِعِيُّ فَقالَ مِن أَينَ قُلتَ ما قُلتَ؟ فَقالَ لَهُ: مِنَ الحديثِ الّذي أَنتَ حَدَّثتَنا أَنَّ فاطِمةَ بِنتَ قَيسٍ جاءَت إِلى رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ فَقالَت: إِنَّ أَبا جَهمٍ ومُعاوِيَةَ خَطباني فَقالَ الرَّسولُ: أَمّا أَبو جَهمٍ فَإِنّهُ لا يَضَعُ العصا عَن عاتِقِهِ، أَنا مِن هذا الحديثِ أَخَذتُ. فَسَكَتَ مالِكٌ، ما عارَضَهُ لأَنّهُ وَجَدَ مَعَهُ حُجَّةً. هُنا قَريحةُ الشّافِعِيُّ الّذي هو تِلميذُ مالِكٍ أَقوى من قَريحةِ مالِكٍ. أَدرَكَ الشّافِعِيُّ ما لم يُدرِك مالِكٌ، مَع أَنَّ مالِكًا أُستاذُهُ وأَكبرُ مِنهُ سِنًّا، لَكِنَّ العِلمَ مواهِبُ مِنَ اللهِ.
وسُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ.

الشفاعة

الشفاعة

الشفاعة

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أن الشفاعة هي طلب الخير من الغير للغير، وهي ثابتة بنص القرءان والحديث قال الله تبارك وتعالى:﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ[سورة البقرة] ، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى[سورة الأنبياء]، وقال صلى الله عليه وسلم «مَن زار قبري وجبت له شفاعتي» رواه الدارقطني
وروى مسلم
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لكل نبيّ دعوة مستجابة فَتَعَجَّلَ كلُّ نبي دعوتَه وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة فهي نائلةٌ إن شاء الله مَن مات من أمّتي لا يُشرك بالله شيئًا». 
وروى الحاكم في المستدرك
عن عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى معاذ بن جبل وأبا عبيدة وعوفَ بن مالك، قال فقلنا نعم، فأقبل إلينا فخرجنا لا نسأله عن شىء ولا يخبرنا حتى قعد على فراشه فقال «أتدري ما خيّرني ربّي الليلة؟» فقلنا الله ورسوله أعلم، قال «فإنه خيّرني بين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة» ، فقلنا يا رسول الله ادْعُ الله أن يجعلنا من أهلها، قال «هي لكل مسلم» اهـ.

المحتاجون للشفاعة:

المحتاجون لشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم هم أهل الكبائر فقط لقوله صلى الله عليه وسلم «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» معناه هم الذين يحتاجون إليها، رواه أبو داود4والترمذيوابن ماجهوأحمدوابن حبّان 8 والحاكم 9 والطبراني10 والخطيب11 
وروى ابن ماجه
12 عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خُيّرت بين الشفاعة وبين أن يَدخُل نصف أمّتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعمّ وأكفى، أتُرَونها للمتقين، لا، ولكنها للمذنبين الخطَّائين المتلوّثين» . قال الحافظ البوصيري13 إسناده صحيح
وقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح
14 ما نصه «وقال ابن الجوزي: وهذا مِنْ حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم لأنه جعل الدعوة فيما ينبغي، ومن كثرة كرمه لأنه ءاثر أمته على نفسه، ومن صحة نظره لأنه جعلها للمذنبين من أمَّته لكونهم أحوج إليها من الطائعين» اهـ. أمّا الأتقياء والأولياء والشهداء فلا حاجة لهم للشفاعة كما يُعلم من النصوص الصحيحة الواضحة، بل إنه ثبت في أحاديث كثيرة صحيحة أنهم هم أهل شفاعةٍ لغيرهم فقد روى ابن ماجه 15 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «للشهيد عند الله ستُّ خصال يَغفِر له في أوّل دُفعة من دمه، ويُرى مقعدَهُ من الجنّةِ، ويُجارُ من عذاب القبرِ، ويأمن من الفزع الأكبر، ويُحَلّى حُلّةَ الإِيمان، ويُزَوَّج من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين إنسانًا من أقاربه» . 
والشفاعة تكون على نوعين
1
ـ شفاعة للمسلمين العصاة بعد دخولهم النار لإِخراجهم منها قبل أن تنتهي المدة التي يستحقّونها
2
ـ وشفاعة لمَن استحقوا دخول النار من عصاة المسلمين بذنوبهم فينقذهم الله من النار بهذه الشفاعة قبل دخولها
أما الكفَّار فلا أحد يشفع لهم قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء] أي لا يشفعون إلا لمَن ماتَ على الإِيمان. وقال تعالى إخبارًا عن أصحاب اليمين من أهل الجنة أنهم يسألون الكفار وهم في النار:﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ
(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين[سورة المدثر] ، وليس في قوله تعالى ﴿شفاعة الشافعين﴾ [سورة المدثر] إثبات لحصول الشفاعة لهم وأنها تُرَدُّ بل المعنى أنه لا شفاعة لهم
وقال تعالى 
:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف] ، فرحمة الله وسِعَت في الدنيا كل مؤمن وكافر لكنها في الآخرة خاصة لمن اتَّقى الشرك وسائر أنواع الكفر
وقال تعالى:﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ
[سورة الأعراف] أي أن الله حرّم على الكافرين الرزق النافع والماء المُروي في الآخرة وذلك لأنهم أضاعوا أعظمَ حقوق الله على عباده وهو توحيده تعالى. فتبيّن لنا أنَّ الكافر لا يرحمه الله ولا أحد يشفع له
ثم إن النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسّلامُ هو أوَّلُ من يشفعُ وأوَّلُ من تُقبَلُ شفاعَتُهُ
16 ، وهو يختصُّ بالشّفاعَةِ العُظمَى وقد سُمّيت بذلكَ لأنّها لا تختصُّ بأمّتِهِ فقط بل ينتفعُ بها غير أمّتِهِ من المؤمنينَ، وهي لتخليصهم من الاستمرارِ في حَرّ الشّمسِ في الموقِفِ فإنَّ النّاسَ عندما يكونونَ في ذلكَ الموقف يقولُ بعضهم لبعضٍ17 : تعالَوا لنذهبَ إلى أبينا ءادم ليشفَع لنا إلى ربّنا، فيأتونَ إلى ءادم يقولون: يا ءادمُ أنت أبو البشرِ خَلَقَكَ الله بيدِهِ - أي بعنايةٍ منه ـ وأسجَد لكَ ملائكتهُ فاشفَع لنا إلى ربّنا، فيقولُ لهم: لستُ فلانًا، اذهبوا إلى نوحٍ فيأتونَ نوحًا فيطلبونَ منه، ثمّ يقولُ لهم ايتوا إبراهيمَ، فيأتونَ إبراهيم، ثم إبراهيمُ يقولُ لهم لست هناك - و معناهُ أنا لستُ صاحبَ هذهِ الشّفاعَةِ - فيأتونَ موسى فيقولُ لهم لستُ هناك، فيقول لهم ايتوا عيسى، فيأتونَ عيسى فيقولُ لهم لست هناك ولكن اذهبوا إلى محمّدٍ فيأتونَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيسجدُ النَّبيُّ لربّهِ فيُقَالُ له ارفع رأسَكَ واشفَع تُشَفَّع وسَل تُعطَ. هذه تُسمَّى الشّفاعة العظمَى لأنّها عامَّةٌ. وأما الكفارُ فلا ينتفعونَ بها لأنهم يُنقَلونَ من هذا الموقفِ إلى موقفٍ أشدَّ لا يستفيدونَ تخفيفَ مشقةٍ ولا نَيلَ راحَةٍ.

--------------------------------------

1 ) سنن الدارقطني: كتاب الحج: باب المواقيت (2/278).

) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمّته.

3 ) رواه ابن ماجه في سننه: كتاب الزهد: باب ذكر الشفاعة، والحاكم في المستدرك (1/66) وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتُج بسُليم بن عامر وأما سائر رواته فمتفق عليهم ولم يخرجاه».

) سنن أبي داود: كتاب السُّنّة: باب الشفاعة.

) جامع الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: باب ما جاء في الشفاعة.

) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد: باب ذكر الشفاعة.

) مسند أحمد (3/213).

) صحيح ابن حبان: كتاب التاريخ: باب الحوض والشفاعة، انظر الإحسان (8/131).

) مستدرك الحاكم، كتاب التفسير (2/382).

10 ) المعجم الكبير (1/258).

11 ) تاريخ بغداد (8/11).

12 ) سنن ابن ماجه: كتاب الزهد: باب ذكر الشفاعة.

13 ) مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (2/356).

14 ) فتح الباري (11/97).

15 ) سنن ابن ماجه: كتاب الجهاد: باب فضل الشهادة في سبيل الله.

16 ) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب تفضيل نبيّنا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق.

17 ) رواه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ(75) [سورة ص].

الفرق بين النبوّة والرسالة

الفرق بين النبوّة والرسالة

الفرق بين النبوّة والرسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

يجتمع النبي والرسول في أن كلًّا منهما أُوحي إليه بشرع. ويفترق الرسول عن النبي بأنه أوحي إليه بشرع جديد. والنبي يتبع شرع الرسول الذي قبله. ولا يصح قول بعضهم: النبي إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أُمر بتبليغه فرسول لأن كلًّا مأمور بالتبليغ
ويفترقان أيضًا في أن النبي لا يكون إلا من البشر. أما الرسل فمنهم بشر ومنهم ملائكة. قال تعالى
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ(75)[سورة الحج]. ولا تكون النبوة والرسالة في النساء. وأول نبي رسول ءادم وءاخرهم محمد
قال المفسر ناصر الدين البيضاوي في تفسيره
ما نصه: «الرسول من بعثه الله بشريعة مجدِّدَة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام» اهـ
وقال العلامة كمال الدين البياضي الحنفي في «إشارات المرام»
ما نصه: «فالنبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحي إليه، وكذا الرسول، فهو المراد هنا ولذا اقتصر على الأنبياء» اهـ، وقال في موضع ءاخر من كتابه المذكور: «الثالثة أن الرسول من جاء بشرع مبتدإٍ، والنبي من لم يأت به وإن أمر بالإبلاغ كما في شرح التأويلات الماتريدية». إلى أن قال «واختاره المحققون وصرّح به البيضاوي في سورة الحج». اهـ 
وقال عصرينا الحافظ أحمد الغماري 
5 ما نصه: «الفرق بين النبي والرسول دقيق وقد خفي على كثير من الناس، والمشهور في كتب المتكلمين في الفرق بينهما أن الرسول إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي إنسان أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، وهذا كلام جاهل بالسنة والأخبار بل وبصريح القرءان، فإن قول الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِي(52)﴾ الآية [سورة الحج] صريح في إرسالهما حقًّا، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة»، والأخبار والأحاديث التي فيها فأوحى الله إلى نبي من أنبيائه أن قل لفلان العابد أو للملك الفلاني أو للقرية الفلانية لا تكاد تنحصر وهذا هو الإرسال، والذي عندنا أن الرسول يفارق النبي في ثلاثة أمور». ثم قال: «الثالثة أن الرسول يبعث بشريعة مستقلة والنبي يبعث بتقرير شريعة من قبله» اهـ
ومما يدل أيضًا على ذلك قولُ الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ
(94)﴾ [سورة الأعراف] الآية أليس هذا الإرسال المذكور في هذه الآية هو إرسال تبليغ ودعوة إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكيف يوفق بين هذه الآية وبين قولهم «إن النبي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه»؟ والله تعالى قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُون(34) [سورة سبإ] ، وقال تعالى ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) [سورة الزخرف] ، نسأل الله تعالى التوفيق من الزلل إنه على كل شىء قدير
قال المناوي في مقدمة «فيض القدير»
ما نصه: «والرسول والنبي طال فيما بينهما من النسبة الكلام، والمحققون كما قال ابن الهمامكالعضد والتفتازاني 9 والشريف الجرجاني على ترادفهما وأنه لا فارق إلا الكتاب» اهـ، ثم قال: «وقال في «المقاصد»10 : النبي إنسان بعثه الله لتبليغ ما أوحي إليه، قال وكذا الرسول، قال الكمال بن أبي شريف: هذا ينبئ عن اختياره للقول بترادفهما
وفي شرح العقائد
11 بعد ما ذكر أنه لا يُقتصر على عدد في تسمية الأنبياء ما نصه: وكلهم كانوا مبلغين عن الله تعالى لأن هذا معنى النبوة والرسالة، قال الكمال بن أبي شريف: هذا مبني على أن الرسول والنبي بمعنى واحد. وقال الإمام الرازي في تفسيره12 : ولا معنى للنبوة والرسالة إلا أن يشهد على الله أنه شرع هذا الحكم، وفي المواقف13 وشرحه في السمعيات: النبي من قال له الله تعالى أرسلتك إلى قوم كذا أو إلى الناس جميعًا أو بلغهم عني أو نحوه، ولا يشترط في الإرسال شرط
وفيه في شرح الديباجة: الرسول نبي معه كتاب والنبي غير الرسول من لا كتاب معه بل أمر بمتابعة شرع من قبله كيوشع. قال المولى خسرو: تبع - يعني الشريف - صاحب الكشاف في تفسير الرسول، واعتراضُهُ بأنه لا يوافق المنقول في عدد الرسل والكتب إذ الكتب نحو مائة والرسل أكثر من ثلاثمائة مدفوع بأن مراده بمن معه كتاب أن يكون مأمورًا بالدعوة إلى شريعة كتاب سواء أنزل على نفسه أو على نبي ءاخر. قال: والأقرب أن الرسول من أنزل عليه كتاب أو أمر بحكم لم يكن قبله وإن لم ينزل عليه كتاب، والنبي أعم لما في ذلك من التفصي عما أورد على الأول من أنه يلزم عليه أن يكون من بعث بدون كتاب ولا متابعة من قبله خارجًا عن النبي والرسول معًا اللهم إلا أن يقال إنه لا وجود لمثله انتهى
وقال الشيباني في شرح الفقه الأكبر: الرسول من بعث بشرع مجدد، والنبي يعمه ومن بعث بتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين بين موسى وعيسى» انتهى
ثم قال
14 : «وقال الصفوي: اختار بعض المحققين أن الرسول نبي أتاه المَلَك وقيل جبريل بوحي لا نوم ولا إلهام، والنبي أعم، واعترض بعدم شموله لما لم يكن بواسطة كما هو ظاهر المنقول في موسى قبل نزول الملك عليه ورفعه بأنه يصدق عليه أنه أتاه في وقت لا ينجع إذ يلزم أن يكون النبي قبل البعثة رسولا حقيقة ولا قائل به. وقد أفاد ما قرره المحققان التفتازاني والجرجاني أن مجرد الإيحاء لا يقتضي النبوة، إنما المقتضي لها إيحاء بشرع وتكليف خاص» اهـ، ثم قال: «ومن ثم قيل ونِعم ما قيل: يعتقد كثير أن النبوة مجرد الوحي وهو باطل وإلا لزم نبوة نحو مريم وءاسية والتزامه شاذ
وما أورد على التفتازاني من أن قوله: النبي من بعث لتبليغ ما أوحي إليه أنه لا يشمل المبعوث إليه لتبليغ ما أوحي لغيره كما في بني إسرائيل أجيب بأنه مأمور بتبْليغ ذلك وهو مما أوحي إليه، أو أن شرع غيره المشير إليه فيما أوحى إليه في الجملة
ومن هذه النقول اللامعة والمباحث الجامعة عرف صحة عزو العلامة ابن الهمام القول بالترادف إلى المحققين وأن الإمام الشهاب ابن حجر 
15 قد انحرف هنا عن صوب الصواب حيث حكم على من زعم الاتحاد16 بالغلط، ونسب الكمال بن الهمام إلى الاسترواح في نقله والسقَط، ثم قال: إن الذي في كلام أئمة الأصوليين خلاف الاتحاد، قال: رأي المحققين خلاف هؤلاء، فإن أراد أن محققي أئمة الأصوليين خلاف العضد والتفتازاني والجرجاني وأن هؤلاء ليسوا بمحقّقين فهذا شىء لا يقوله محصّل، وإن أرادهم فهذه نصوصهم قد تليت عليك، ولسنا ننازعه في أن المشهور بين الفقهاء ما ذكره الحليمي17 من التغاير وأن الفارق الأمر بالتبليغ إنما الملام في إقدامه على تغليط ذلك المحقق ونسبته إلى الغفول عن كلام المحققين من رأس القلم» انتهى كلام المناوي
وقال الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في أصول الدين
18 ما نصه: «والفرق بينهما - أي النبي والرسول - أن النبي من أتاه الوحي من الله عز وجل ونزل عليه الملك بالوحي، والرسول من يأتي بشرع على الابتداء أو ينسخ بعض أحكام شريعة قبله». اهـ 
وقال القونوي النسفي في «القلائد» شرح العقيدة الطحاوية
19 ما نصه: «والفرق بين النبي والرسول أن الرسول من بعثه الله تعالى إلى قوم وأنزل عليه كتابًا أو لم ينزل لكن أمره بحكم لم يكن ذلك الحكم في دين الرسول الذي كان قبله، والنبي من لم ينزل عليه كتابًا ولم يأمره بحكم جديد بل أمره بأن يدعو الناس إلى دين الرسول الذي كان قبله، وقيل: الرسول من نزل عليه جبريل عليه السلام وأمره بتبليغ رسالة الله تعالى إلى الناس، والنبيُّ من لم ينزل عليه جبريل بل سمع صوتًا من مَلَكٍ أو رأى في المنام انك نبي فبلّغ رسالة الله تعالى إلى الناس، وقيل: الرسول الشارعُ والنبيُّ الحافظ شريعة غيره، والرسول يعمُّ البشر والملك بخلاف النبي، فالحاصل: إن الرسول أخص من النبي لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً» اهـ
فائدة. قال الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى(52)﴾ [سورة الحج] الآية، فالله تعالى قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾، ثم في الآية ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ إطلاق الإرسال على النبي والرسول ويكفي هذا دليلاً على أن النبي يبلغ وعلى بطلان قول من يقول إن النبي ليس مأمورًا بالتبليغ إذ لا معنى للإرسال بدون الأمر بالتبليغ، فالرسول والنبي كلاهما مأموران بالتبليغ إنما الفرق بينهما بما سوى ذلك كما ذكره الإمام عبد القاهر بن طاهر التميمي الذي قال فيه ابن حجر الهيتمي: «الإمام الكبير إمام أصحابنا»، وهذا الذي كان عليه المتقدمون فلا عبرة بالرأي الذي ذكره بعض المتأخرين كما في كتاب الجلالين20 وفي كشف النقاب في شرح ملحة الإعراب21 وكتاب فتح الباري22 وغير ذلك من تعريف النبي بأنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبليغ فإنه مخالف للنص ولما قاله المتقدمون.

--------------------------------------

1 ) أنوار التنزيل وأسرار التأويل (4/57).

) إشارات المرام (ص/311).

) إشارات المرام (ص/333).

) تأويلات أهل السنة (1/483).

) جؤنة العطار (ص40 - 41).

) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلاة: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» .

) فيض القدير (1/15 - 16).

) المسايرة (ص/194).

) شرح العقائد (ص/170).

10 ) المقاصد مع شرحه (5/5).

11 ) شرح العقائد (ص/170).

12 ) التفسير الكبير (3/8).

13 ) شرح المواقف (8/241 - 242).

14 ) فيض القدير (1/15 - 16).

15 ) تحفة المحتاج في شرح المنهاج: خطبة الكتاب.

16 ) أي الاتحاد في المعنى بين النبي والرسول في كون كلّ منهما يبلّغ عن الله.

17 ) المنهاج في شعب الإيمان (1/239).

18 ) أصول الدين (ص/154).

19 ) القلائد شرح العقائد (ص/83)، مخطوط.

20 ) تفسير الجلالين (ص/441).

21 ) كشف النقاب (ص/2).

22 ) نقله في فتح الباري (11/112) ولم يتعقبه.

صِحّةُ العَقيدَةِ شرطٌ للثَّوابِ عَلى الأَعمالِ

صِحّةُ العَقيدَةِ شرطٌ للثَّوابِ عَلى الأَعمالِ

صِحّةُ العَقيدَةِ شرطٌ للثَّوابِ عَلى الأَعمالِ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمدُ للهَ رَبِّ العالمينَ لَهُ النِّعمَةُ ولَهُ الفَضلُ ولَهُ الثِّناءُ الحَسَنُ صَلَواتُ اللهُ البَّرِ الرَّحيمِ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبينَ على سَيِّدِنا محمّدٍ أَشرَفِ المُرسَلينَ وعلى ءالِهِ الطيِّبينَ الطّاهِرينَ أَمّا بَعدُ:
فَقَد قَالَ اللهُ تَعالى:﴿إِنَّ الحَسناتِ يُذهِبنَ السيِّئاتِ﴾ جَاءَت أَحاديثُ صَحيحَةٌ عَن رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ في شَرحِ مَعنى الآيةِ، فَمِن ذلِكَ ما رَواهُ مُسلِمٌ في الصَّحيحِ أَنَّ نبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ قالَ: "أَيعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَكْسِبَ في اليَومِ أَلفَ حَسَنَةٍ يُسَبِّحُ اللهَ تَعالى مائةَ تَسبيحةٍ فَيُكتَبُ لَهُ بهِنَّ أَلفُ حَسَنَةٍ، ويُمحى عَنهُ بهِنَّ أَلفُ خَطيئةٍ" في هذا الحَديثِ بَيانُ أَنَّ الحَسَنَةَ الواحِدَةَ تَمحو عَشَرَةً مِنَ السيِّئاتِ، هذا أَقَلُّ ما يَكونُ وقَد تَمحو الحَسَنَةُ الواحِدَةُ أَكثَرَ مِن ذلِكَ مِنَ السيِّئاتِ، بَيانُ ذلِكَ أَنَّ رَسولَ اللهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَخبرَ بِأَنَّ المائةَ تَسبيحة ٍيَكونُ ثوابُها أَلفًا مِنَ الحَسناتِ. وزِيادةٌ على ذلِكَ، أَخبَرَ بِأَنَّهُ يُمحى عَن قائِلِ هذِهِ المائةِ تَسبيحةٍ أَلفُ خَطيئةٍ أَي مَعصِيةٍ، ولم يُقَيِّدْ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ هذِهِ الخَطيئةَ بِأَنَّها مِنَ الصَّغائِرِ، فَنَقولُ يجوزُ أَن يَمحُوَ اللهُ بِالحَسنَةِ مِنَ الحَسَناتِ بَعضَ الكَبائِرِ وإِن كَانَ وَرَدَ في فَضلِ الصَّلواتِ الخَمسِ أَنَّهُ تُمحى عَنهُ وتُكَفَّرُ عَنهُ بها ما سِوى الكَبائِرِ إِن لم يَغشَ الكَبائِر، ولكِن هذا لَيسَ مُطَّرِداً فيما سِوى الصَّلواتِ الخَمسِ فَقَد ثََبَتَ بِالإِسنادِ الصَّحيحِ أَنَّ مَن قالَ "أستَغفِرُ اللهَ الّذي لا لَهُ إِلَهَ إِلاّ هو الحيُّ القيّومُ وأَتوبُ إِليهِ، يُغفَرُ وإِن كَانَ قَد فَرَّ مِنَ الزَّحفِ" والفِرارُ مِنَ الزَّحفِ مِن أَكبَرِ الكَبائِرِ، فإِذا كَانَ بهذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الاستِغفارِ يُمحى مِنَ الكَبائِرِ ما شاءَ اللهُ تَعالى فَلا مانِعَ مِن أَن يُمحى بِالتَّسبيحِ ونحوِهِ بَعضُ الكَبائِرِ.
والحَديثُ الثّاني حَديثُ :"مَن قالَ أستَغفِرُ اللهَ الّذي لا إِلَهَ إِلاّ هو الحيُّ القَيُّومُ وأَتوبُ إِلَيهِ يُغفَرُ لَهُ وإِن كَانَ قَد فَرَّ مِنَ الزَّحفِ" رَواهُ أَبو داودَ في سُنَنِهِ وهو حَديثٌ حَسَنُ الإِسنادِ حَسَّنَهُ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ في الأَمالي هذِهِ الرِّوايةُ الّتي حَكَمَ لهَا بالحُسنِ لَيسَ فيها التَّقييدُ بِثلاثِ مرّاتٍ وبِأَن يَكونَ ذلِكَ عَقِبَ صَلاةِ الفَجرِ، بَل هي مُطلَقَةٌ، أَيَّ وَقتٍ قالَ هذا الاستِغفارَ "أستَغفِرُ اللهَ الّذي لا إِلَهَ إِلاّ هو الحَيُّ القَيّومُ وأَتوبُ إِليهِ" غُفِرَ لَهُ ذُنوبُهُ وإِن كَانَ قَد ارتَكَبَ بَعضَ الكَبائِرِ. ثمَّ اللّفظُ يُقرَأُ على وَجهَينِ يُقرَأُ بِالرَّفعِ "الحَيُّ القيّومُ" ويُقرَأُ بِالنَّصبِ "الحَيَّ القيّومَ" كُلُّ ذلِكَ جائِزٌ عِندَ عُلَماءِ النَّحوِ.

صِحَّةُ العَقيدَةِ والإِخلاصُ في العَمَلِ

ثمَّ إِنَّ الحافِظَ ابنَ حَجَرٍ ذَكَرَ أَنَّ هذا الاستِغفارَ يُمحى بِهِ مِنَ الكَبائِرِ ما لَيسَ مِن تَبِعاتِ النَّاسِ أَي مِن مَظالمِ النَّاسِ، أَي أَنَّ المَظالِمَ لا تَدخُلُ تَحتَ هذا الحديثِ، ثمَّ كُلُّ هذا شَرطُهُ أَن تَكونَ هُناكَ نِيَّةٌ شَرعِيَّةٌ وهي أَن يَقصِدَ بهذا التَّسبيحِ التَّقَرُّبَ إِلى اللهِ، ولَيسَ فيهِ رِياءٌ أَي أَن يَمدَحَهُ النَّاسُ، إِنمَّا قَصدُهُ خالِصٌ لِلتَّقَرُّبِ إِلى اللهِ وهكَذا كُلُّ الحَسناتِ: قِراءَةُ القُرءانِ والصَّلاةُ والصِّيامُ والحَجُّ والزَّكاةُ وبِرُّ الوالِدَينِ والإِنفاقُ على الأَهلِ وصِلَةُ الرَّحِمِ إِلى غَيرِ ذلِكَ مِنَ الحَسَناتِ، لا ثَوابَ فيها إِلا بِالنِيَّةِ، والنِيَّةُ هي أَن يَقولَ بِقَلبِهِ: أَفعَلُ هذا تَقَرُّبًا إِلى اللهِ وابتِغاءَ مَرضاةِ اللهِ أَو ابتِغاءَ الأَجرِ مِنَ اللهِ، لكِن بِشَرطِ أَن لا يَضُمَّ إِلى ذلِكَ قَصْدَ مَدحِ النَّاسِ لَهُ وذِكرِهِم لَهُ بِالثَّناءِ الجَميلِ، إِنَّما قَصدُهُ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلى اللهِ بهذِهِ الحَسَنَةِ بهذا التَّسبيحِ أَو بهذِهِ القِراءَةِ للقُرءانِ أَو بهذِهِ الصَّدَقَةِ أَو بِفَرائِضِهِ الّتي يَفعَلُها كالصَّلاةِ والحَجِّ والزَّكاةِ. كُلُّ هذِهِ الحَسَناتِ إِذا اقتَرَنَت بها نِيَّةٌ صَحيحةٌ خالِصَةٌ للهِ تَعالى لم يَقتَرِن بها رِياءٌ فَلِفاعِلِها الثّوابُ الجَزيلُ، أَي أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ تُكتَبُ عَشرَ أَمثالِها على الأَقَلِّ وقَد يَزيدُ اللهُ لِمَن شاءَ ما شاءَ مِنَ المُضاعَفاتِ، ثمَّ هُناكَ شَرطٌ لا بُدَّ مِنهُ وهو صِحَّةُ العَقيدَةِ، صِحَّةُ العَقيدَةِ شَرطٌ للثَّوابِ على الأَعمالِ فَلا ثَوابَ على الأَعمالِ بِدونِ صِحَّةِ العَقيدَةِ.

الأَشاعِرَةُ على عَقيدَةِ الصَّحابَةِ

ومَعنى صِحَّةِ العَقيدَةِ أَن يَكونَ عارِفًا بِاللهِ ورَسولِهِ كَما يجِبُ لَيسَ مُجرَّدَ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ التَّوحيدِ، بَل الأَصلُ الّذي هو لا ُبدَّ مِنهُ للنَّجاةِ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ ولِحُصولِ الثَّوابِ على الأَعمالِ هو مَعرِفَةُ اللهِ كَما يجِبُ ومَعرِفَةُ رَسولِهِ ثمَّ بَعدَ ذلِكَ الثَّباتُ على الإِسلامِ أَي تَجنُّبُ الكُفرياتِ القَولِيّةِ والفِعليّةِ والاعتقادِيّةِ، فَمَن ثَبَتَ على هذا إِلى المماتِ كانَت كُلُّ حَسَنَةٍ يَعمَلُها على هذا الوَجهِ فَيَكونُ مِن الفائِزينَ النّاجينَ المُفلِحينَ. معنى صِحَّةِ العَقيدَةِ هو أَن يَكونَ على ما كانَ عَلَيهِ أَصحابُ رَسولِ اللهِ والتّابِعونَ وأَتباعُ التّابِعينَ ومَن تَبِعَهُم على تِلكَ العَقيدَةِ الّتي هي مَأخوذَةٌ عَن الرَّسولِ تَلَقَّوها عَن الرَّسولِ، ثمَّ تَلَقّاها التّابِعونَ مِنَ الصَّحابَةِ ثمَّ تَلَقّاها المُسلمونَ جيلاً عَن جيلٍ.
وهذِهِ العَقيدَةُ إِلى يَومِنا هذا مَوجودَةٌ وإِن انحرَفَ عَنها بَعضُ الفِئاتِ، هذِهِ العَقيدَةُ الّتي كانَ عَلَيها الصَّحابَةُ ومَن تَبِعَهُم بِإِحسانٍ هي الأَشعَرِيَّةُ الماتُريدِيَّةُ. واليَومَ أَهلُ السُنَّةِ إِن لم نَقُل كُلَّهُم أَغلَبُهُم أَشعرِيّةٌ، كَانَ في الماضي الماتُريدِيّةُ في نواحي بِلادِ بُخارى وسَمَرقَندَ وطَشقَندَ وجُرجانَ ونَيسابورَ مِن بِلادِ فارِس. لكِنَّهُ اليَومَ كَأَنَّ الأَشعرِيّةَ عَمَّت. والأَشعَرِيّةُ والماتُرِيدِيّةُ هُم أَهلُ السُنَّةِ والجماعَةِ فَعقيدَتُهُم مُنبَثِقَةٌ مِن قولِ اللهِ تَعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾ عَرَفوا مَعنى هذِهِ الآيةِ كَما يجِبُ فَنَزَّهوا اللهَ تَعالى عَن صِفاتِ المخلوقينَ، وعَن التَّحَيُّزِ في المكانِ وعَن الحَدِّ أَي المِساحَةِ لأَنَّهُ لا تَصِحُّ مَعرِفَةُ اللهِ مَعَ اعتِقادِ أَنَّهُ يُشبِهُ خَلقَهُ بِبَعضِ صِفاتِهِم كَالتَّحَيُّزِ في المكانِ أَو التَّحَيُّزِ في العَرشِ أَو في غَيرِ العَرشِ أَو التَّحَيُّزِ في جميعِ الأَماكِنِ،كُلُّ هذا ضِدُّ هذِهِ الآيةِ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾.
فَخُِلاصَةُ عَقيدَةِ أَهلِ الحَقِّ أَنَّ اللهَ مَوجودٌ لا كَالمَوجوداتِ أَي لا يُشبِهُ الموجوداتِ بِوَجهٍ مِن الوَجوهِ، السَّلَفُ الصّالحونَ كانوا على هذِهِ العَقيدَةِ أَي تَنْزيهِ اللهِ عَن التَّحَيُّزِ في المكانِ والحَدِّ، الدَّليلُ عَلى ذلِكَ أَنَّ الإِمامَ زَينَ العابِدينَ عَليَّ بنَ الحُسينِ بنِ عليٍّّ بنِ أَبي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كانَ مِن أَوائِلِ السَّلَفِ لَهُ رِسالةٌ تُسَمّى الصَّحيفَةَ السَّجادِيَّةَ ذَكَرَ فيها عِباراتٍ في التَّنـزيهِ مِنها هذِهِ الجُملَةُ "سُبحانَكَ أَنتَ اللهُ الّذي لا يَحويكَ مَكانٌ" في هذِهِ الصَّحيفَةِ الّتي هِي تَأليفُ سَيِّدِنا زَينِ العابِدينَ: "سُبحانَكَ أَنتَ اللهُ الّذي لا يَحويكَ مَكانٌ" احفَظوها فَإِنّها مِن كَلامِ السَّلَفِ الصّالِحِ. كانَ زَينُ العابِدينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقالَ عَنهُ أَفضَلُ قُرَشِيٍّ في ذلِكَ الوَقتِ، أَفضَلُ أَهلِ البَيتِ، وقالَ أَيضًا في نَفيِ الحَدِّ عَن اللهِ: "سُبحانَكَ أَنتَ اللهُ الّذي لَستَ بِمَحدودٍ" وذلِكَ أَنَّ المَحدودَ يَحتاجُ إِلى مَن حَدَّهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَيسَ لَهُ مِساحةٌ لَيسَ بِقَدرِ العَرشِ ولا أَوسَعَ مِنهُ ولا أَصغَرَ مِنَ العَرشِ. مَن اعتَقَدَ أَنَّ اللهَ بِقَدرِ العَرشِ فَهو جاهِلٌ بِاللهِ ومَن اعتَقَدَ أَنَّهُ أَوسَعُ مِنهُ مِساحَةً فَهو جاهِلٌ بِاللهِ ومَن اعتَقَدَ أَنّهُ أَصغَرُ مِن العَرشِ فَهو أَشَدُّ جَهلاً وبُعدًا عَن اللهِ، ثمَّ الإِمامُ أَبو جَعفَرٍ الطَّحاوِيُّ الّذي عاشَ في القَرنِ الثّالِثِ الهِجريِّ عَشَراتٍ مِنَ السِّنينَ نحوَ سَبعينَ سَنَةً ثمَّ أَدرَكَ مِنَ القَرنِ الّذي يَليهِ القَرنِ الرّابِعِ الهِجرِيِّ نحوَ عِشرينَ سَنَةً ونَيِّفًا، هذا أَلَّفَ كِتابًا سَمّاهُ بَيانَ عَقيدَةِ أَهلِ السُنَّةِ والجَماعَةِ، الّتي كانَ عَليها أَبو حَنيفَةَ الّذي تَوفِّيَ سَنَةَ مِائَةٍ وخَمسينَ وصاحِباهُ اللّذانِ تُوفِّيا بَعدَهُ بِعَشَراتٍ مِن السِّنينِ في القَرنِ الثّاني الهِجرِيِّ أَبو يوسُفَ يَعقوبُ بنُ إِبراهيمَ ومُحمّدُ بنُ الحَسَنِ وهُم مِن الأَئِمّةِ أَهلِ الاجتِهادِ، ومَن سِواهُم ذَكَرَ أَنَّ أَهلَ السُنَّةِ هَؤلاء ِالثَّلاثَةَ مِنَ الأَئِمّةِ وغَيرَهُم على عَقيدَةِ أَنَّ اللهَ لَيسَ بِمَحدودٍ ولا مُتَحيِّزًا في الجِهاتِ، لا في الجِهةِ العُليا ولا في الجِهةِ التَّحتِيَّةِ ولا في جِهةِ اليَمينِ ولا في جِهةِ اليَسارِ ولا في جِهةِ الخَلفِ ولا في جِهةِ الأَمامِ قالَ: "تَعالى عَن الحُدودِ" اللهُ تَعالى مُنَـزَّه ٌعَن الحُدودِ أَي لَيسَ بِمَحدودٍ، العَرشُ مَحدودٌ، لكِن نحنُ لا نَعرِفُ حَدَّهُ لكِن هو في حَدِّ ذاتِهِ مَحدودٌ، لَهُ حَدٌّ يَعلَمُهُ اللهُ، فَاللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَيسَ بِمَحدودٍ لا يجوزُ أَن نَقولَ "لَهُ حَدٌّ يَعلَمُهُ هو" ولا يجوزُ أَن يُقالَ "لَهُ حَدٌّ يَعلَمُهُ هو ونَعلَمُهُ نحنُ" كِلا ذلِكَ باطِلٌ. الحَقُّ أَن يُنفى عَنهُ الحَدُّ وذلِكَ لأَنَّ الّذي لَهُ حَدٌّ يحتاجُ إِلى مَن جَعَلَهُ على ذلِكَ الحَدِّ، هذِهِ الشَّمسُ نحنُ لَنا دَليلٌ عَقلِيٌّ غَيرُ الدَّليلِ القُرءانيِّ أَنّها لا تَصلُحُ أَن تَكونَ إِلَهًا لِلعالَم وذلِكَ لأَنَّ لها حَدًّا فَلها خالِقٌ جَعَلها على هذا الحَدِّ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى لو كانَ لَهُ حَدٌّ لاحتاجَ إِلى مَن جَعَلَهُ على ذلِك الحَدِّ كَما تحتاجُ الشَّمسُ إِلى مَن جَعَلَها على ذلِكَ الحَدِّ الّذي هي عَلَيهِ، فقَد ظَهَرَ لَكُم أَنَّ السَّلَفَ كانوا يَنفُونَ عَنِ اللهِ الحَدَّ والجِهَةَ أَي التَّحَيُّزَ في جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ السِّتِّ أَو في جميعِها وسائِرَ أَوصافِ الخَلقِ.
إِنَّ اللهَ مُنَـزَّهٌ عَن ذلِكَ وكُلُّ هذا ممّا تُعطيهِ هذِهِ الآيةُ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَىءٌ﴾ لكِن القُلوبُ مُختلِفَةٌ، قُلوبٌ تَفهَمُ مِن هذِهِ الآيةِ هذِهِ المعاني وقُلوبٌ لا تَفهَمُ تَقرأُها أَلسِنَتُها ولا تَفهَمُ ما تَحويهِِِ مِنَ التَّنـزيهِ، هذا ما كانَ عَلَيهِ أَهلُ السُنَّةِ، لَيسَ مَذهَبُ أَهلِ السُنَّةِ تَشبيهَ اللهِ بِخَلقِهِ بِأَنَّ يَعتَقِدَ فيهِ أَنَّ لَهُ أَعضاءٌ وأَن يَعتَقِدَ فيهِ أَنَّهُ مُتَحَيِّزٌ على العَرشِ مَعَ أَنَّهُ مَنفَيٌ عَنهُ ما كانَ مِن صِفاتِ الخَلقِ مِن غَيرِ ذلِكَ كالنُّـزولِ مِن عُلوٍّ إلى سُفل ثمَّ الرُّجوعِ إِلى هُناكَ.
بَعضُ الجاهِلينَ بِالحقائِقِ يَظُنونَ أَنَّ قولَ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّّّّّ رَبَّكُم اللهُ الّذي خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثمَّ استَوى على العَرشِ﴾ يَظُنّونَ أَنَّ هذِهِ الآيةَ مَعناها أَنَّ اللهَ نَزَلَ مِنَ العَرشِ الّذي هو مُستَقَرُّهُ إِلى أَسفَلَ فَهَيّأ السَّمواتِ والأَرضَ ثمَّ صَعَدَ بَعدَ ذلِكَ، هذا جَهلٌ قََبيحٌ بِالقرآنِ، إنّما معنى الآيةِ أَنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ وكانَ مُستويًا على العَرشِ أَي قاهِرًا للعَرشِ قَبلَ وُجودِ السَّمواتِ والأَرضِ، وعلى زَعمِهِم كَلِمَةُ "ثمَّ" لا تَأتي إِلاّ بَعدَ تَأَخُّرِ حُصولِ شَىءٍ عَن شَىءٍ وهذا جَهلٌ بِاللُّغةِ. "ثمَّ" تَأتي بِمَعنى الواوِ، كَلِمةُ "ثمَّ" تَأتي مُرادِفَةٌ للواوِ كَما تَأتي للدِّلالَةِ على أَنَّ ما بَعدَها وُجودُه مُتأخِّرٌ عَن وُجودِ ما قَبلَها، كَما تَأتي لهذا المعنى مَعنى التَّأخُّرِ تَأتي لمعنى الجَمعِ بَينَ شَيئَينِ بمعنى الإِخبارِ باجتِماعِ شَيئَينِ في الوُجودِ مِن غَيرِ دِلالَةٍ على تَأَخُّرِ ما بَعدَها عَن ما قَبلَها هذا أَثبَتَهُ عُلَماءُ اللُّغةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ قالَ: "ثمَّ تَأتي بمعنى الواوِ"، ثمَّ على ذلِكَ شاهِدٌ مِنَ القُرءانِ وشاهِدٌ مِن شِعرِ العَرَبِ القُدَماءِ الفُصحاءِ الّذينَ كانوا يَتَكَلَّمونَ بِاللُّغةِ العَرَبيَّةِ عَن سَليقَةٍ وطَبيعَةٍ مِن غَيرِ أَن يَدرُسوا النَّحوَ، قالَ أَحَدُهُم
إِنَّ مَن سادَ ثمَّ سادَ أَبوه ُ **** ثمَّ قَدْ سادَ قَبلَ ذلِكَ جَدُّهُ
هَل يَصِحُّ أَن تَفَسَّرَ "ثمَّ" هُنا أَنّها تَدُلُّ على تَأَخُّرِ ما بَعدَها عَن ما قَبلَها في الوُجودِ؟ لا تَدُلُّ، كذلِكَ في هذِهِ الآيةِ ﴿ثمَّ استوى على العَرشِ﴾ لا تَدُلُّ "ثم" على أَنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ ثمَّ بَعدَ أَن وُجِدَتِ السَّمواتُ والأَرضُ صَعَدَ إِلى العَرشِ وجَلَسَ عَلَيهِ كَما يَزعَمُ المُشَبِّهِةُ الّذينَ حُرِموا مِن فَهمِ الدَّلائِلِ العَقلِيَّةِ، العَقلُ لَهُ اعتِبارٌ في الشَّرعِ لذلِكَ أَمَرَ اللهُ بِالتَّفَكُرِ في أَكثَرَ مِن ءايةٍ. والتَّفَكُرُ هو النَّظَرُ العَقلِيُّ هؤلاءِ حُرِموا مِن ذلِكَ مِن مَعرِفَةِ الدَّلائِلِ العَقلِيَّةِ الّتي يُعرَفُ بها ما يَصِحُّ وما لا يَصِحُّ، مِثالٌ لذلِكَ يُبَيِّنُ سَخافَةَ هؤلاءِ الّذينَ يَعتَقِدونَ في اللهِ التَّحَيُّزَ في المَكانِ والحَدِّ والمِساحَةِ هو أَنّهُم يُفَسِّرونَ حَديثَ "يَنـزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدُّنيا في النِّصفِ الأَخيرِ" وفي لَفظٍ "في الثُّلُثِ الأَخيرِ فَيَقولُ هَل مِن داعٍ فَأَستَجيبُ لَهُ وهَل مِن مُستَغفِرٍ فَأَغفِرُ لَهُ وهَل مِن سائِلٍ فَأُعطيهِ حتّى يَنفَجِرُ الفَجرُ" وهو حَديثٌ صَحيحٌ إِسنادًا. ظاهِرُ هذا الحَديثِ على زَعمِ هؤلاءِ الّذينَ تَمَسَّكوا بِظاهِرِ هذا الحَديثِ أَنَّ اللهَ يَبقى في الثُّلُثِ الأَخيرِ مِنَ اللَّيلَ إِلى الفَجرِ وهو يَقولُ هذا الكَلامَ، فَهمُهُم هذا دَليلٌ على سَخافَةِ عُقولِهِم، وذلِكَ لأَنَّ اللَّيلَ يَختَلِفُ باختِلافِ البِلادِ، فَاللَّيلُ في أَرضٍ نَهارٌ في أَرضٍ أُخرى ونِصفُ اللَّيلِ في أَرضٍ أَوّلُ النَّهارِ في أَرضٍ إِلى غَيرِ ذلَكَ مِنَ الاختِلافاتِ، فعلى قَولِهِم يَلزَمُ أَن يَكونَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في السَّماءِ الدُّنيا طالِعًا مِنها إِلى العَرشِ في كُلِّ لَحظَةٍ مِن لَحظاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ هذِهِ سَخافَةُ عَقلٍ.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين

عصمة الأنبياء

عصمة الأنبياء

عصمة الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

تجب للأنبياء العصمة من الكفر والكبائر وصغائر الخسة والدناءة كسرقة لقمة ويجوز عليهم ما سوى ذلك من الصغائر. وهذا قول أكثر العلماء كما نقله غير واحد وعليه الإمام أبو الحسن الأشعري، وخالفه بعض الأشاعرة. قال تاج الدين السبكي في قصيدته النونية 1: [الكامل]
والأَشعري إمامنا لكننا          في ذا نُخالفه بكل لسان 
أقول، يا ليته وافقه إذ هو الموافق للنصوص.
عصمةُ الأنبياءِ فضلٌ من الله ولطفٌ بهم ولكن على وجهٍ يبقى اختيارُهم بعدَ العصمةِ في الإقدامِ على الطاعةِ والامتناعِ عن المعصيةِ وإلى هذا القول مالَ الشيخُ أبو منصور الماتريديُّ، وهو القولُ السّديدُ وعليه الاعتمادُ إذ لولا ذلكَ لكانوا مجبورينَ في أفعالِهم ومن كانَ مجبورًا على فعلِ الطَّاعَةِ والامتناعِ عن المعصيةِ لا يكون مأجورًا في فعلِهِ وتركِهِ.
فإن قيل: إننا مأمورون بالاقتداء بهم فلو كانوا يعصون للزم الاقتداء بهم في المعصية ولا يعقل ذلك. فالجواب: أنهم يُنبهون فورًا فلا يُقرون عليها بل يتوبون قبل أن يقتدي بهم أحد فزال المحذور.
ومن الغلو القبيح قول بعض المنحرفين من المتصوفة: «إن ءادم كان منهيًّا عن الأكل من الشجرة ظاهرًا مأمورًا باطنًا». وقال بعض هؤلاء في إخوة يوسف مثل ذلك وذلك تكذيب للنص. أما في حق ءادم فقد قال تعالى ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ 
[سورة طه] أخبرنا الله بأنه نُهي ولم يخبرنا بأنه أمر بالأكل من الشجرة وكيف يجتمع الأمر بشىءٍ والنهي عنه في حق شخص واحدٍ في وقت واحدٍ ثم أخبرنا بأنه تاب عليه بقوله ﴿فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [سورة البقرة] وأما إخوة يوسف الذين كادوه فلم يخبرنا الله تعالى إلا بجرائمهم وأخبرنا أن يوسف قال لهم ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [سورة يوسف] فكيف يعقل أن يكونوا مأمورين باطنًا.
وكانت معصية الأكل صغيرة وليست كبيرةً كما تدعي النصارى. فقد قالوا إن المسيح جاء ليخلص البشر من تبعتها وأعظم بذلك افتراءً.
وكانت الكلمات التي تلقاها ءادم ما ذكر الله بقوله ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ 
[سورة الأعراف].
قاعدة في عصمة الأنبياء. قال الشيخ التلمساني في شرح لمع الأدلةما نصُّه: «لا يجوز عليهم الكبيرة ألبتة ويجوز تعمد الصغيرة بشرط عدم الإصرار، ولا يجوز منهم صغيرة تدل على خساسة النفس ودناءة الهمة كتطفيف حبة وسرقة باقة بقل» اهـ، ثم قال«وأما عصمتهم عن الكبائر والإصرار على الصغائر وعن كل صغيرة تؤذن بقلة الاكتراث بالديانات فمستند إلى الإجماع القاطع، فإن السلف رضي الله عنهم لم يزالوا يحتجون بالنبي بأفعاله وأقواله ومتبادرون إلى التأسي به، وجميع الظواهر التي اعتمد عليها الحشوية قابلة التأويل». «وأما يونس فقيل: إنما كرّمه الله بالنبوة والرسالة بعد أن نُبِذ بالعراءقال الله عز وجل ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة القلم] ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين في قصة الفداء في أُسارى بدر والإذن للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك وعُبُوس الوجه لابن أمِّ مكتوم فكلُّ ذلك ترك للأولى» اهـ.
وقال التلمساني
ما نصه: «اعلم أنه لما ثبت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وعصمته فيما يبلغه عن الله تعالى وجب التصديق بكل ما أخبر من أمور الغيب جملة وتفصيلاً، فإن كان مما يُعلم تفصيله وجب اعتقاده، فإن لم يُعلم تفصيله وجب أن يؤمن به جملة ويرد تأويله إلى الله تعالى ورسوله ولمن اختصه الله عز وجل بالاطلاع على ذلك» اهـ.

--------------------------------------

) طبقات الشافعية (2/268).

) شرح لمع الأدلة (ص/197)، مخطوط.

3 ) شرح لمع الأدلة (ص/198)، مخطوط.

) ولو قيل خروج يونس عليه السلام من قريته وفراقه لقومه كان بعد أن صار نبيًّا لكنه فعل ذلك قبل أن يؤذن له بذلك وحيًا ولأجل هذا قال في بطن الحوت ما قال على أن ذلك لم يكن كبيرة ولا دالًّا على خساسة نفس أو دناءة همة لكان حسنًا.